خيّم الوضع الاقتصادي على مدينة النبطية، واجتاح القلق نفوس الجنوبيين، لا سيما بعدما فرغت رفوف المحال الاستهلاكية من المواد الغذائية والتموينية، حتى قال أحدهم: "رح يجي يوم ونتحلى بالسكر"، في تأكيد على الوضع الصعب الذي تعيشه المدينة وقراها، وأضاف: "لم نشهد حالاً كهذه حتى في عز الحرب، صدق اللي قال الجوع أخطر من حرب السلاح".
ولعب شح الدولار دوراً في حالة الانكماش الاقتصادي التي تعيشها المدينة، ناهيك عن انقطاع حبل وريد الأموال التي كانت تتدفق من الاغتراب، كلها أدت إلى سوء الحال وفق ابو ابراهيم معتوق الذي يجلس في أحد المقاهي، يتابع الأحداث عبر شاشة التلفاز ويرى أن "الوضع سيئ جداً"، لكنه يعوّل على متغير ما.
لم يعد بمقدور المواطن تلبية ابسط مقومات حياته، فهو يقف عند حافة "الجوع" بعد أن ضربته البطالة وتوقفت الأعمال، وأصيبت الحركة التجارية بالشلل وزاد الطين بلة شح السيولة، "بتنا لعبة بين أيدي المصارف والتجار، وعيش يا فقير"، يقول فادي أحد الشبان العاطلين من العمل في هذا البلد: "فلا شهادة نفعتنا، ولا وظيفة حصلنا عليها، فكيف نؤمن مستقبلنا"؟ ويؤكد فادي أنه من أنصار الحراك، فهو خرج إلى الشارع منذ اليوم الأول، والقلة كانت المحرك، ويقول: "لم نعد نملك شيئاً غير الشارع كورقة ضغط، ومعروف أن الجوع إن ضرب شعباً انتفض". لكن لخديجة رأي آخر: "الجوع لم يحرك الناس، فالخوف يحركهم، هذا غريب، وصلنا إلى زمن سعر الرغيف بـ250 ليرة والمنقوشة بـ1500 وأسعار السلع كلها ارتفعت، ومع ذلك لم يتحرك الناس، لم ينتفضوا كرمى للجوع، لأولادهم، ترى ما السر؟".
والاجراءات التي اتخذتها المصارف بتحديد سقف السحوبات آثار غضب العديد من العملاء، ويأسف أحد التجار، قاسم، "لأننا تحوّلنا لعبة بيد المصارف، حاولت سحب مبلغ من مالي كي استعد للسفر، فأنا استورد البضائع من الصين، لم يعطوني أكثر من 500 دولار، كيف نشتري البضائع ونسدد الديون؟ هل يتلاعبون بأموالنا، ثم يقولون لنا أفلسنا؟". ليس ابراهيم وحده الذي يواجه واقع المصارف، فيسرى ايضاً حاولت سحب مالها بالدولار، وتوضح: "رفضوا اعطائي مالي بالدولار، كيف يعقل ذلك؟ يدفعون بنا إلى السوق السوداء حيث سجّل الدولار 1900 أي أنهم كلهم شركاء في إفلاسنا".
وبعيداً من حراك الجوع الاقتصادي، كان حراك النبطية وكفررمان يواصل مسيرته السلمية، ولم يسجل أي تطور على صعيد سياسته الثورية، يحافظ على انتفاضة مسالمة ديموقراطية وحضارية، وهذا يعدّه رائد مقلد "أجمل صورة للانتفاضة سجلتها مدينة النبطية التي حافظت على هذا الوجه الحضاري من الانتفاضة"، في حين يعتبر علي بدير أن "ساحة النبطية تشهد حراكاً سلمياً، بانتظار المستجدات التي قد تغيّر مسار اللعبة الميدانية"، ويؤكد: "لن نلجأ إلى قطع الطرقات، ولكن قد نستهدف المؤسسات ذات التأثير الفاعل على مطالبنا. في المقابل يعتبر ابراهيم أن "الحرب الاقتصادية التي تضرب ساحتنا قد تدفع إلى التصعيد في الأيام المقبلة". وتستعد النبطية لاعتصام جديد أمام قصر العدل غداً الخميس للضغط على القضاء أثناء استجواب العميل عامر الفاخوري الذي سيمثل مجدداً أمام القاضي.