Midway (منتصف الطريق) للمخرج رولاند إيميريتش ليس أول فيلم يغطي المعركة التي تُعتبر عموماً نقطة تحوّل جذرية في منطقة المحيط الهادئ خلال الحرب العالمية الثانية. في العام 1976، شارك تشارلتون هيستون وهنري فوندا في فيلم يحمل العنوان نفسه ومن إنتاج "يونيفرسال بيكتشرز"، حيث استُعمِل النظام الصوتي Sensurround كأداة أساسية في الموسيقى التصويرية. كي يفهم أصغر المشاهدين نوع هذا النظام، يمكن اعتباره مرادفاً للتقنية ثلاثية الأبعاد اليوم. كان المتحدثون يتمركزون تحت المقاعد في دور سينما منتقاة لإعطاء انطباع بأن المشاهدين يختبرون بأنفسهم مشاهد الهزة الأرضية في فيلم الكوارث الأسطوري Earthquake (هزة أرضية) في العام 1974. فيلم Midway من بطولة هيستون كان ثاني فيلم يستعمل هذه الحيلة لتقديم تجربة غامرة للمشاهدين. لكن أدرك رواد السينما وأصحاب الصالات سريعاً أن تلك التجربة غامرة أكثر من اللزوم. أدى الصوت الهادر إلى سقوط الجص من السقف وخروج البراغي من المقاعد. مع ذلك، أعطى نظام Sensurround أثراً غير متوقع لكن إيجابي في هذا النوع من الأفلام.الدمج الصوتي هو العنصر الوحيد الذي يستحق الإشادة في النسخة الجديدة من Midway. نسمع في مناسبات متكررة الآثار الصوتية لمحركات الطائرات، وينبض هدير التفجيرات وحاملات الطائرات في صدورنا ويعطينا شعوراً بالمتعة من الناحية السمعية. المخرج إيميريتش ليس غريباً عن أنواع الأفلام التي تتطلب خليطاً مثالياً من أصوات الضجة الصاخبة، فهو أخرج Independence Day (يوم الاستقلال) 2012، كما أنه معتاد على الاستعمال المفرط لتقنية الصور المنشأة بالحاسوب. لكنّ المبالغة في استخدام هذه التقنية تطرح أكبر المشاكل في Midway لأنها تجعل العمل أقرب إلى ألعاب الفيديو. وبما أن الفيلم مصنّف لمن هم فوق عمر الثالثة عشرة، تخلو المجازر من المشاهد الدموية، ما يُرسّخ الأجواء المزيفة العامة. عدا عن مشهد متقن لجثة محروقة، يخلو هذا الفيلم الحربي من العنف، لذا يمكن اعتباره خياراً مناسباً للأصغر سناً.

كان من الأسهل أن نتجاهل الجرعة المخففة من العنف في الفيلم لو بدت الشخصيات مقنعة. يجسّد ممثلون مبتدئون الشخصيات الواقعية، إلى جانب عدد صغير من المخضرمين، منهم دينيس كويد وآرون إيكهارت وودي هارلسون الذي يظهر بِشَعر أبيض صادم. في المقابل، يؤدي إيد سكرين ودارن كريس ونيك جوناس أدوار الطيارين والعسكريين الشبان المتحمسين. هم يشبهون شخصيات مختلف الأفلام الحربية المألوفة بدءاً من فترة الأربعينات، لكنهم يفتقرون إلى كاريزما الممثلين الأصليين في ذلك الزمن وقوة حضورهم. لن نتقرب منهم بما يكفي للتعاطف معهم بصدق. ربما عمد Midway إلى إبقاء مسافة بين الممثلين والمشاهدين، كما فعل كريستوفر نولان في Dunkirk، لكنّ نولان يبرع في تجسيد الشخصيات الباردة. أما إيميريتش، فتمنعه عاطفته المفرطة من تحقيق هذه الغاية.لكن يستوحي إيميريتش من أسلوب نظيره المخرج مايكل باي حين يعيد ابتكار الهجوم على "بيرل هاربور". تعجّ المشاهد بتفجيرات ضخمة وطائرات متناثرة ولقطات هروب في اللحظات الأخيرة. المشاهد ناجحة من حيث التأثيرات التقنية. لكن كان باي ذكياً بما يكفي كي يضيف مشهداً يسلّط الضوء على بطولات مساعد القبطان الأميركي الإفريقي دوري ميلر. وقبل أن تُعدّل شركة "ديزني" الفيلم، لم يتردد في إضفاء أجواء دموية على العمل. كما في مشاهد العنف، يتجنب إيميريتش الانزعاج المرافق لتجسيد الفصل العنصري الذي واجهه الجنود المقاتلون السود عبر تهميشهم بالكامل. باختصار، يتعامل المخرج مع أحداث الحرب العالمية الثانية مثلما تعامل مع فيلم Stonewall (الجدار الحجري).يقسم Midway مشاهده بين الأميركيين واليابانيين، بما يشبه أسلوب ريتشارد فليشر في Tora Tora Tora. يظهر اليابانيون بصورة مبتذلة بقدر الأميركيين، فهم أقوياء ويكررون تعليقات عن الكرامة تزامناً مع إطلاق تهديدات ضمنية. حتى أنّ الفيلم يشمل عبارة شهيرة استُعمِلت في نسخة Midway في العام 1976 حول "إيقاظ العملاق النائم". نعرف أن هذه العبارة حقيقية، لكنها تبدو سطحية ومزيفة في سياق هذا العمل. كذلك، يظهر الصينيون في حبكة فرعية عن "جيمس دوليتل" (آرون إيكهارت)، لكن تبدو شخصيته مقتطفة من فيلم مختلف. من الواضح أن هذه المشاهد كانت جزءاً من الشروط المسبقة لإنتاج العمل، نظراً إلى ظهور علامات تجارية خاصة بشركات صينية في مقدمة الفيلم.
يؤدي سكرين دوراً رئيساً بشخصية الطيار المتهور "ديك بيست". وكما هو متوقع، تتلاشى أساليبه الشريرة والجامحة ويصل إلى درجة غير مسبوقة من النضج قبل نهاية الفيلم. يحافظ سكرين على جانبه الإنساني على الأقل بفضل زوجته "آني" التي تؤديها ماندي مور (أهدر الفيلم موهبتها لكن يبقى أداؤها مقبولاً) وشعوره بالذنب بعد خسارة زميله الطيار الذي تعهد بحمايته. لكنّ الممثلين الذين يشاركونه البطولة ليسوا محظوظين بقدره. يجسّد باتريك ويلسون شخصية "إيد لايتون"، الخبير الاستراتيجي العسكري الذي لم يجد من يسمعه حين توقّع استهداف "بيرل هاربور"، لكنّ دوره رديء ويقتصر على تقديم التوصيات. أما الأميرال "هالسي" (كويد)، الذي تترافق مشاهده مع موسيقى بول ماكارتني المزعجة وأغنية Wings، فيقتصر دوره على عبارات عدم الاستسلام حتى اللحظة الأخيرة. أخيراً، نصل إلى الأميرال "نيميتز" (هارلسون) الذي يتميز بشعره اللافت في جميع مشاهده. كان إهدار موهبة كويد مريعاً بقدر إهمال قدرات هارلسون على أداء الشخصيات المتذاكية والمتذمرة.
لا بد من الإشادة بمحاولة كاتب السيناريو ويس توك عرض مشاهد مبنية على الاستراتيجيات والعمليات العسكرية، وبحماسة إيميريتش لاستعراض مهارات فريق التأثيرات التقنية. لكنّ خليط السيناريو الباهت ومشاهد المعارك المتكررة يعطي أثراً مملاً، لدرجة أن نشرد في أفكارنا أحياناً رغم تسمّرنا أمام الشاشة!