ألمح موقف وارن من الطريقة التي تنوي استعمالها لدفع تكاليف خطة "الرعاية الصحية للجميع" إلى أنها لن تكتفي بإعادة السياسة الخارجية الأميركية إلى وضعها الطبيعي مجدداً بعد عهد ترامب: حين تطبّق وارن أجندة محلية تحويلية، قد تضطر لإضعاف الدور الأميركي العالمي لتحمّل تكاليفها.
تبدو تفاصيل هذه الخطة معقدة لكنها بالغة الأهمية. في آخر 10 سنوات، انخفضت ميزانية وزارة الدفاع بموجب "قانون مراقبة الميزانية" في العام 2011، أو ما يُعرَف على نطاق واسع باسم "الفصل". هدّد قانون الفصل بإقرار تخفيضات جذرية في ميزانية الدفاع والإنفاق المحلي لتحفيز الجمهوريين والديمقراطيين على عقد اتفاق حول الميزانية وإنهاء أزمة سقف الديون. كان فصل الميزانية مُصمّماً ليبدو مشيناً لدرجة ألا يُستعمَل مطلقاً، لكن عجز الحزبان عن عقد الاتفاق المنشود، فأصبح القانون ساري المفعول.
اتفق قادة الحزبَين على اعتبار التخفيضات صارمة وغير مدروسة. ولتجنب آثارها السلبية على الأمن القومي، منحت إدارة أوباما البنتاغون ميزانية منفصلة وخاصة بعمليات الطوارئ في الخارج، وقد صُمّمت في الأصل خدمةً لأي إنفاق غير متوقع خلال الحرب في العراق وأفغانستان. في نهاية عهد أوباما، شملت تلك العمليات تمويل خطط مرتبطة بمحاربة الأمراض الوبائية، وتوسيع الوجود الأميركي في الشرق الأوسط، والحفاظ على الأمن الأوروبي. ينتقد خبراء الدفاع والميزانية من الحزبَين، بما في ذلك ميك مولفاني، كبير موظفي البيت الأبيض في عهد ترامب، عمليات الطوارئ في الخارج منذ سنوات، إذ يُفترض برأيهم أن تكون هذه العمليات في معظمها جزءاً من ميزانية الدفاع العادية. من المتوقع أن تنتهي صلاحية سقف الإنفاق المُحدد بموجب قانون الفصل في العام 2021، ما يعني أن تمويل العمليات غير الطارئة في الحروب قد يندمج أخيراً مع الميزانية العادية.
تنتقد وارن ميزانية عمليات الطوارئ في الخارج منذ سنوات وتعتبرها بمثابة رشوة للبنتاغون. في إعلانها عن خطة "الرعاية الصحية للجميع"، اقترحت إلغاء تلك الميزانية وقالت إنها تنوي أخذ 800 مليار دولار من ميزانية الدفاع على مر 10 سنوات. يبدو ذلك الرقم مساوياً للمبلغ الإجمالي المخصص لعمليات الطوارئ في الخارج (يبلغ اليوم 77 مليار دولار سنوياً)، بالإضافة إلى معدل التضخم. تُبرّر وارن هذه المقاربة بضرورة أن تنهي الولايات المتحدة الحروب اللامتناهية في العراق وسوريا وأفغانستان.

لكن يظن تود هاريسون، خبير اقتصادي في "مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية"، أن الحروب اللامتناهية تستهلك حوالى 20 مليار دولار فقط من ميزانية عمليات الطوارئ في الخارج سنوياً. أما المليارات المتبقية، فتشمل تمويل جهات مثل الأسطول الخامس في البحرين، والقيادة المركزية الأميركية، ومبادرة الردع الأوروبية التي تهدف إلى تدعيم القوات الأميركية في أوروبا الشرقية ودول البلطيق. صرّحت وارن بأن جزءاً من الجهات المُمَوّلة من ميزانية عمليات الطوارئ في الخارج يمكن نقله إلى الميزانية العادية، لكن لم تُحدد حملتها المبالغ أو الجهات المستهدفة.خــلال الأسبوع الذي تلا إعلان وارن، شعر صانعو السياسة الأوروبيون بالقلق من احتمال تخفيض ميزانية مبادرة الردع الأوروبية. لكن أوضح متحدث باسم الحملة أن وارن تعتبر هذه المبادرة جزءاً من أولوياتها وأنها ستموّلها في حال انتخابها لرئاسة البلد (إنها أول ضمانة رسمية تقدمها لتمويل جزء من عمليات الطوارئ في الخارج). كذلك، أكد المتحدث نفسه أن وارن، في حال انتخابها، ستُخفّض إنفاق البنتاغون بما يساوي مجموع الميزانية المخصصة لعمليات الطوارئ في الخارج، لكن سيشتق جزء من تلك المدخرات من الميزانية العادية. بطريقة أو بأخرى، ستُخفّض إدارتها ميزانية الدفاع بنسبة 11% تقريباً.بنظر عدد كبير من المعلّقين، بدا التركيز على عمليات الطوارئ في الخارج توجهاً جدّياً ومفصّلاً، وهذا ما أوحى بأن المرشّحة تملك خطة متكاملة. لكن عملياً، كانت تلك المواقف كلها مجرد خدعة كي تتجنب الحملة الانتخابية تحديد المجالات التي ستتعرض لتخفيضات في الميزانية.
على سبيل المثال، ما هي المبالغ التي تنوي وارن ادخارها من خلال تقليص الوجود الأميركي في الشرق الأوسط؟ خلال المناظرة الرئاسية الديمقراطية في تشرين الأول، أعلنت وارن أنها ستسحب القوات الأميركية من المنطقة. ثم أوضح متحدث باسم الحملة سريعاً أنها كانت تعني قوات القتال الأميركية. لكنّ تركيز وارن على عمليات الطوارئ في الخارج سيُجدّد الفرضيات القائلة إنها عَنَت ما قالته حرفياً. حتى لو أنهت وارن جميع العمليات في سوريا والعراق وأفغانستان، وهي مهمة صعبة أصلاً، سينقصها نصف تريليون دولار من المبلغ الذي تأمل أخذه من البنتاغون لتنفيذ خطة "الرعاية الصحية للجميع".سيكون إيجاد المدخرات في ميزانية الدفاع ممكناً طبعاً، لكن يتطلب بلوغ نسبة 11% تخفيضات حقيقية في الإمكانات وتقبّل مخاطر إضافية في ساحات محورية، بما في ذلك المعركة ضد الإرهاب في الشرق الأوسط. ترتكز ميزانية الدفاع بشكلٍ أساسي على أداء طاقمها وقرارات الشراء على المدى الطويل. قد يبدو تخفيض حجم القوة لزيادة الاتكال على التقنيات الجديدة منطقياً من الناحية الاستراتيجية، لكنه حل غير مستدام سياسياً. قد لا يواجه تخفيض تكاليف الأبحاث والتطوير أو الوجود الخارجي القدر نفسه من المعارضة السياسية، لكن تبقى هذه الاستراتيجية سيئة.قد تتساءل وارن عن السبب الذي يدفعها إلى طرح تفاصيل عن السياسة الخارجية في هذه المرحلة المبكرة. في العام 2016، وصل بيرني ساندرز إلى منتصف الربيع قبل أن يوضح موقفه في هذا المجال. ولا يتعرض معظم منافسيها الآخرين للضغوط نفسها لطرح تفاصيل خططهم. لكنّ وضع وارن مختلف. فهي لم تتجنب الموضوع في الأساس، بل أطلقت سلسلة من المواقف الجريئة التي تستطيع أن تغيّر السياسة الأميركية الخارجية بطريقة جذرية. بالإضافة إلى تخفيض الميزانية بنسبة 11% والتعهد بسحب القوات القتالية من الشرق الأوسط، اقترحت معايير تجارية جديدة لا تلتزم بها أي واحدة من الاتفاقيات الأميركية القائمة راهناً. يعتبر كارل بيلت، رئيس الحكومة ووزير الخارجية السويدي السابق، أن "دوافع وارن المبنية على السياسة الحمائية ليست مُطمئِنة من وجهة النظر الأوروبية".
تبقى وارن أقرب إلى اللغز في السياسة الخارجية، فهي تحرص مع مستشاريها في هذا المجال على توخي الحذر في تصريحاتهم. يبدو أنها لا تتبنى مواقف متطرفة، ولا تنتقد أوساط السياسة الخارجية بقدر ساندرز، وتعطي انطباعاً بأنها تريد تطبيق سياسة خارجية صارمة وداعمة للقيم الليبرالية عالمياً ورافضة للاستبداد. لكنها تظن في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة تبالغ في التزامها باستعمال القوة العسكرية والمنافسة الأمنية. ونظراً إلى مواقفها البارزة من الميزانية والقوات العسكرية والتجارة، بناءً على المعطيات المحلية القائمة، من المتوقع أن تتخذ سياستها الخارجية مساراً يتعارض مع خطاباتها العامة التي تبدو أكثر اتزاناً.

اقترحت وارن فرض ضريبة على الثروات لتمويل معظم برامجها المحلية. وبغض النظر عن رأي كل طرف بضريبة مماثلة، يرتفع احتمال أن تعتبرها الأغلبية المحافِظة في المحكمة العليا غير دستورية. هذا الموقف كفيل بفرض ضغوط هائلة على إدارة وارن لإيجاد مصادر تمويل أخرى لخططها المحلية. ستكون ميزانية الدفاع هدفاً مغرياً، ويتعلق دافعها الأساسي بالحاجة إلى إيجاد المدخرات بطريقة مقبولة سياسياً. هل هذه الخطة منطقية من الناحية الاستراتيجية؟ تحــتل هــذه المسألــة أهمية ثانوية.إذا وصل مرشّح ديموقراطي إلى الرئاسة بدل ترامب، سيَرِث عالماً متقلباً جداً يوشك على التخلي عن النظام الدولي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. يطرح الخصوم والأصدقاء على حد سواء السؤال نفسه: شعار "أميركا أولاً" فكرة شائبة أم دلالة على الأحداث المرتقبة في معسكرَي اليمين واليسار معاً؟ هم يحللون جميع المؤشرات التي يمكن رصدها من مواقف ترامب والديموقراطيين المتفائلين. تكلم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مثلاً عن احتمال أن تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط واعتبره جزءاً من الأسباب التي تدفعه إلى التقرب من روسيا بقيادة فلاديمير بوتين. ينتظر المجتمع الدولي عموماً انتهاء الانتخابات لمعرفة الجواب على سؤالهم. لكن إذا استنتجوا أن هذه السياسة دائمة، يسهل أن نتوقع تحركات عالية المخاطر وزعزعة إضافية للاستقرار.من الأفضل أن يتذكر الديموقراطيون هذا الواقع دوماً. تترافق التصريحات القوية التي تؤثر على هيكل القوة والوجود الأميركي في الخارج، من دون تحضير مناسب، مع تداعيات جدّية. لن تكون تجربة الإدارة المقبلة سهلة على الساحة الدولية. لذا يجب أن تستعد الحملات الانتخابية بناءً على هذا الوضع.