بعد عقود من مصادرة قرارها تحت وطأة "ممانعات" تعاقبت وتبدّلت أسماؤها وقادتها، تسلك الجمهورية اليوم خطّ "البشير" لناحية تحديد سياساتها وخياراتها، في سعيها إلى احتكار قرار الحرب والسلم، وتولّيها بنفسها التفاوض باسم لبنان وحقوقه.
الدولة، بقيادة رئيس الجمهورية جوزاف عون، تسعى، مستظلّةً بـ«عباءة خليفة بطرس» ومن أروقة «روما العظيمة»، إلى اجتراح معجزة سياسية تفتح كوة في جدار المسار التفاوضي العالق بين أنفاق «الممانعة» وعلي الطاهر من جهة، ومرمى «المقلاع» الإسرائيلي من جهة أخرى، بما يجنّب الجنوبيين واللبنانيين كافة تجرّع كأس الحرب مجددًا.
بين جبهة جنوبية تقف على حافة تصعيد قد يخرج عن السيطرة عند أي خطأ في الحسابات، وجبهة تفاوضية باردة تحاول واشنطن إعادة تشغيلها من روما، تضيق هوامش المناورة والوقت. فالعقدة لم تعد تقتصر على وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو تحديد موعد لجولة محادثات جديدة، بل باتت تتصل مباشرة بقدرة الدولة على تحويل التزاماتها بشأن حصرية السلاح وبسط سلطتها إلى وقائع ميدانية.
ليس غياب موعد الجولة الثامنة من مفاوضات روما هو المشكلة، ولا المراوحة التي تطبع مسارها منذ الجولة السابعة. المشكلة الحقيقية أن لبنان يحاول أن يفاوض على وقف الحرب وإنهاء الاحتلال وتثبيت سيادته، فيما لا يزال على أرضه سلاح خارج الدولة يصرّ على الاحتفاظ بقدرته على تعطيل القرار الوطني وتوريط البلاد في جولات جديدة من المواجهة.
لم يعد ركود المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية يحتاج إلى كثير من التأويل. فالمسار الذي كان يفترض أن يقود إلى انسحاب إسرائيلي تدريجي وتثبيت ترتيبات أمنية جديدة، يصطدم اليوم بعقدة واحدة تتقدم على سائر العقد: سلاح "حزب الله". وبينما تستعد بيروت لجولة ثامنة لا موعد لها حتى الآن، تبدو تل أبيب وكأنها تقول بوضوح: لا انسحاب ولا تسوية نهائية قبل أن يصبح السلاح حصرًا في يد الدولة اللبنانية.
بينما أنهى الوفدان اللبناني والإسرائيلي الجولة السابعة من محادثات روما، بعد ثلاثة أيام من النقاشات حول الحدود والأسرى والمناطق النموذجية وآليات تثبيت الاستقرار في الجنوب، يبقى الامتحان الحقيقي في الداخل اللبناني: هل تستطيع الدولة ترجمة قراراتها السيادية إلى وقائع ميدانية، أم أن منطق السلاح سيبقى قادرًا على تعطيل المؤسسات، كما عطّلت الوصاية السورية يومًا مشروع الاستقلال؟
تدخل مفاوضات روما مرحلة التنفيذ، حيث لم يعد الخلاف على النصوص، بل على تطبيقها ميدانيًا، عبر توسيع المناطق النموذجية وانتشار الجيش اللبناني وانسحاب إسرائيل تدريجيًا. إلا أن هذا المسار يصطدم أيضًا بالواقع نفسه: سلاح ميليشيا "حزب الله"، وبنيته العسكرية، ومخازنه، ورفضه العملي لكل ما يؤدي إلى بسط سلطة الدولة الكاملة، بالتوازي مع حملة سياسية متواصلة لتشويه "صيغة الإطار" والتشكيك بها.
دخل الملف اللبناني جدول الاهتمامات الإقليمية والدولية، وتحوّل إلى أحد مفاتيح إعادة رسم خرائط الاستقرار في الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، سيحضر في القمة التي تجمع اليوم في البيت الأبيض الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
فيما المنطقة تغلي مع احتمالية عودة الحرب بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، يعيش لبنان اليوم التالي لقمة ترامب – عون ويدخل مرحلة سياسية جديدة عنوانها ترجمة نتائج قمة واشنطن.
انتصر المسار الدبلوماسي على منطق الحرب، موجّهًا ضربة سياسية قاسية إلى مشروع ميليشيا "حزب الله" الذي بنى شرعيته لعقود على مقولة إن البندقية وحدها تصنع الإنجازات. فميزان السياسة بدأ يميل لمصلحة الدولة، واللقاء التاريخي اليوم بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، وعلى الرغم من كل حملات التشكيك والتشويش، ليس إلا محطة مفصلية في تاريخ الجمهورية اللبنانية التي تبدو أمام فرصة ذهبية لترجمة هذا التحول إلى مسار سياسي وسيادي متكامل.
كل المؤشرات تدل على أن الهدنة بين الولايات المتحدة وإيران قد انهارت فعليًا، وأن المنطقة دخلت مرحلة شديدة الخطورة عنوانها التصعيد المفتوح مع انضمام ساحات جديدة الى الصراع وتحديدًا اليمن فيما هامش الحركة أمام إيران وحلفائها يضيق تدريجًا.
لبنان أمام منعطف سياسي وأمني بالغ الخطورة، والاستحقاقان المنتظران خلال الأسبوعين المقبلين، والمتمثلان في لقاء الرئيس جوزاف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض في 21 تموز، وجولة المفاوضات المرتقبة في روما الأسبوع المقبل.
لم يعد عامل الوقت يعمل لمصلحة لبنان، فالأيام الأحد عشر التي انقضت على توقيع صيغة اتفاق الإطار اللبناني - الإسرائيلي برعاية أميركية مباشرة، من دون أن يترجم حتى الآن إلى خطوات ميدانية، تزيد من المؤشرات على وجود محاولات لعرقلة انطلاقته.
صدّرت الزيارة الثانية لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان المشهد الداخلي، في لحظة إقليمية دقيقة أعقبت طلب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من الرئيس السوري أحمد الشرع انخراط دمشق في الملف اللبناني، ولا سيما في ما يتصل بسلاح "حزب الله".
ما كُتب ووُقّع في واشنطن لم يعد قابلا للمحو بالتهويل ولا باستحضار قاموس التخوين والفتنة الذي اعتادت عليه منظومة الممانعة كلما خسرت جولة.
تنطلق الجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن برعاية أميركية، حيث سيجتمع وفدا البلدين، السياسي والعسكري، على وقع إصرار لبناني كامل على نقطتين أساسيتين: تثبيت وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، تمهيداً لتحول سياسي عنوانه عودة الدولة اللبنانية إلى موقع القرار والتفاوض.