الكاتب البريطاني جون رونالد رويل تولكين صاحب كتاب "سيّد الخواتم" الذي تُرجم إلى أكثر من خمسين لغة وبيعت منه أكثر من مئة وخمسين مليون نسخة منذ صدوره في ثلاثة أجزاء منتصف الخمسينات من القرن العشرين، موضوع معرض كبير يقام حالياً في "المكتبة الوطنية" في باريس، وهو الأوّل من نوعه في فرنسا ويشكّل مدخلاً إلى العالم الملحمي الواسع للكاتب ولمسيرة أبطاله وتواريخهم والرقعة الجغرافيّة التي تحرّكوا فيها. فكلّ شعب من شعوب "الأرض الوسطى" التي ابتكرها يمتلك ثقافته الخاصّة ولغاته. ويطالعنا المخطّط العام للرواية ضمن المخطوطات المزيّنة المعروضة وهي بمثابة تحف فنّيّة قائمة بذاتها.
يكشف المعرض أيضاً عن وجوه غير شائعة لتولكين ولا تقلّ أهمية عن وجهه الأدبي، شعراً ونثراً، ومنها وجه الفنّان التشكيلي الذي يحضر من خلال عدد كبير من الرسوم المائيّة، ووجه المتعمّق في علم اللسانيّات والميثولوجيا والدين، وهي من المواضيع التي شغلته بقوّة. وكانت العودة إلى تولكين اليوم مناسبة لصدور كتب عدّة حول سيرته ونتاجه. وتعمل شركة "أمازون" على إنتاج مسلسل جديد من وحي روايته التي كانت تحوّلت إلى أفلام سينمائية، كما ألهمت عدداً كبيراً من الكتّاب والفنانين والموسيقيين ومصمّمي ألعاب الفيديو.
تولكين الذي توفي العام 1973 كان، بالإضافة إلى كونه كاتباً وخالق أكوان فانتازية، متخصّصاً في الأدب الإنكليزي في القرون الوسطى ومدرّساً في جامعة أوكسفورد. ولم يكن تجاوز الرابعة والعشرين من العمر حين وجد نفسه ضابطاً في قلب واحدة من أكثر المعارك دموية في التاريخ، ألا وهي معركة "السوم" التي دارت على الأرض الفرنسيّة، بين بريطانيا وفرنسا من جهة والجيش الألماني من جهة أخرى. غير أنّ أهوال الحرب لم تحضر بصورة مباشرة في نتاجه، فهو لم يؤرّخ للمعارك ولم يتحدّث عن الدبابات التي رآها تتقدّم وتقذف حممها على الجبهات المشتعلة. لكنّه، حين تحدّث عن الحيوانات الأسطورية مثلاً ومنها التنانين، وصفها كآلات حديدية تبصق نيرانها في الهواء وتدوس في طريقها كل شيء. في أحد تصريحاته الصحافية، قال: "أن تستأثر بنا حرب 1914 ونحن في عزّ الشباب ليست مسألة أقلّ فظاعة ومأسوية ممّا حدث في العام 1939. في العام 1918، مات أصدقائي المقرّبون كلّهم باستثناء صديق واحـد فقط". بهذا المعنى، قد تكون رواية "سيّد الخواتم"، في أحد جوانبهـا، ردّ فعل علـى الحربين العالميّتين، بل عـلى فكرة الحرب ودوافع العنف عند البشر منـــذ سحيق الأزمنة.

إلى تجربة الحرب، يستند عالم تولكـين المتخيَّل إلى ثقافة موسوعية سمحت له بأن يوسّع أفق نتاجه ويبتكر عالماً أسطورياً كاملاً تتخلّله الحكايات واللغات والأفكار والفلسفة والتاريخ، فضلاً عن معرفة عميقة بالعلوم. وهذا ما يتجلّى في كتاب بعنوان "تولكين والعلوم" شارك في صياغته ثمانية وثلاثون باحثاً متخصّصاً كشفوا عن مصادر تأثّره بحقول عدّة منها علم الآثار والفيزياء والهندسة والاقتصاد. يضـاف إلى هذه الينابيع التي ساعدت تولكين على بناء عالمه المتفرّد، تلك النزعة الروحية التي تبتكر آلهتها من الأساطير والحكايات الخرافيّة. من هنا، يستهلّ تولكين كتابه بهذه الكلمات: "خاتم للسيطرة عليهم جميعاً، خاتم للعثور عليهم، خاتم لإحضارهم جميعاً ودمجهم في أرض كوردور حيث تمتدّ الظلال". ولقد سعى الكثيرون من أبطال الرواية إلى امتلاك هذا الخاتم لما يتمتّع به من قدرات وقوى سحريّة.
يتمحور "سيّد الخواتم" في جوهره إذاً، وفي ما وراء أبعاده الخياليّة، حول نوازع العنف وأسئلة الموت والشرط الإنساني. إنه صورة للحياة ومصاعبها، للسلطة وأمراضها، ولطبيعة الإنسان نفسه. ألم يقل تولكين الذي عاين الحرب عن قرب إنّ "البشر الفعليين هم قلّة من البشر"؟ إلاّ أنه حين وصل إلى ختام الرواية وأشرفت الرحلة على نهايتها، وقبل أن يلقي مرساة سفينته في الماء، وجَّه أبطاله في اتجاه "الأراضي الخالدة"، أراضي الخلاص. كأنّ المخيّلة، هنا، أعلنت انتصارها على الواقع الذي تتكرّر معه المآسي، من عصر إلى آخر ومن جيل إلى جيل.
قلّما كانت الفانتازيا والأجواء المُختلَقة واقعيّة ومُقنِعة إلى هذا الحدّ. من خلال الكتابة، سعى تولكين إلى ابتكار واقع آخر، أو بالأحرى، عالم بديل مُوازٍ للعالم الواقعي. عالم ينهل من الواقع لكنّ مخيّلة الكاتب الخصبة تجعله يحلّق بعيداً في فضاءات لا تنتهي.