رفيق خوري

ساعة اليسار تدق والمسرح لليمين الفاشل

3 دقائق للقراءة

"الصحراء ليست صحراء بسبب التربة بل بسبب المناخ"، يقول العالم الفرنسي تيودور مونو. وهذا ما ينطبق على لبنان المنهار تحت أثقال أزمات سياسية ومالية وإقتصادية وإجتماعية عميقة والتي يجب أن تكون، بطبائع الأمور، تربة خصبة لليسار، لكن المناخ لليمين. وهذا ما قاد في منتصف القرن التاسع عشر الى ظهور "البيان الشيوعي لماركس وأنغلر و"ربيع الشعوب" في أوروبا قبل أن يطغى مناخ الملكيات السلطوية. حتى المد اليساري في العالم خلال القرن العشرين بعد ثورة أكتوبر الإشتراكية وقيام الإتحاد السوفياتي والإنتصار على الفاشية والنازية والعسكريتاريا اليابانية في الحرب العالمية الثانية، فإنه انحسر قبل إنهيار الإتحاد السوفياتي وبعده. وليس أمراً عادياً أن يضعف كثيراً اليسار الشيوعي والإشتراكي في البلدين اللذين كان الأقوى فيهما: فرنسا وإيطاليا.

والأمثلة من حولنا طازجة. يرى المؤرخ ديفيد غريبر أنه بعد الأزمة المالية الكبيرة عام 2008، "فشلت الجماهير الغاضبة في إعادة تنظيم النظام الرأسمالي المأزوم، فاتجهت نحو خط أكثر يمينية بدل التوجه نحو اليسار". ويسجل فرنسيس فوكوياما "مفارقة في الأزمات الأخيرة الناتجة عن الرأسمالية المالية التي لا ضابط لها". ما هي المفارقة؟ "إرتفاع موجة اليمين الشعبوي بدل موجة اليسار". لماذا؟ لأن "فشل الأفكار هو أهم الأسباب في فشل اليسار الذي لم يجد سوى العودة الى النموذج القديم كبديل من فشل اليمين الليبرالي".

المشكلة في لبنان معقدة ومركبة على "سيبة" ثلاثية القوائم: الأولى هي مناخ النظام الطائفي واللعب بالعصبيات الطائفية والمذهبية، حيث الحزب الأقوى هو حزب ديني محافظ والأحزاب القوية هي الأحزاب الطائفية اليمينية. والثانية هي حرص المافيا السياسية والمالية والميليشيوية الحاكمة والمتحكمة على ضمان نظام النهب النيوليبرالي ولو قاد البلد والناس الى الإفلاس. والثالثة هي بقاء اليسار أسير المواقف القديمة أيام الحرب الباردة والأفكار القديمة التي فشلت في الممارسة في بلدان المعسكر الإشتراكي.

ذلك أن البنك الدولي، وهو حارس الليبرالية، يسجل في تقرير تحت عنوان "المالية العامة في لبنان: مخطط تمويل بونزي" أن هذه المالية جرى استخدامها كأداة لسيطرة ممنهجة على موارد البلاد فساعدت في خدمة مصالح نظام إقتصاد سياسي متجذر عمل على كساد متعمد". لكن الجدل في لبنان يدور على مواضيع تافهة. واليمين اللبناني متخلف حتى بالنسبة الى اليمين الفاشل في أميركا وأوروبا. لكن اليسار يبدو مثل "لاجئ سياسي" عند حزب ديني بحجة دعم المقاومة لإسرائيل والإمبريالية الأميركية.

إنتفاضة تشرين الشعبية السلمية التي أحيت الآمال في لبنان تعرضت للعنف والخرق واللعب بالعصبيات، فانتهت. الإتحاد العمالي العام بلا نقابات حقيقية، وهو مجرد أداة في يد حركة سياسية. أي دعوة من أمراء الطوائف للتظاهر يندفع الأتباع الى الشارع، في حين أن سطو المافيا على المال العام والخاص ولا سيما الودائع في المصارف لا يدفع الى تجديد الإنتفاضة الشعبية. وإذا لم تكن هذه ساعة يسار ديناميكي يملك أفكاراً وخطة لإنقاذ البلد والناس، فمتى تدق هذه الساعة؟

لسان حال المافيا قول بوب ديلان في قصيدة مغناة: "ليس هناك نجاح مثل الفشل".