بسرعة عجيبة يستعيد أساسيون في الطاقم الحاكم أجواء نهاية عهد الرئيس ميشال سليمان وتعطيل انتخاب الخلف لمدة طويلة استغرقت عامين ونصف العام.
لا يتحدث هؤلاء عن خلق مناخات طبيعية تمهد لإنتخاب رئيس جديد للجمهورية ابتداء من مطلع ايلول وحتى نهاية الشهر الذي يليه، وانما يمعنون تبصيراً وتحليلاً حول من يريده «حزب الله» ومن لا يريده، ومن سيكون المرشح الفرنسي أو الأميركي وصولاً الى سؤال عن المرشح السوري باعتبار أن الرئيس المقبل سيكون مزيجاً سورياً- ايرانياً، وليس نموذجاً يتمتع بالكثير من الصفات السيادية وببعض النوايا الإصلاحية.
وفي الواقع لم تتغير ظروف 2022عن ظروف 2014 كثيراً. ورهانات الفاعلين المحليين لا تزال معقودة على الأطراف الخارجية التي كانت حاضرة آنذاك. وحذرهم تجاه المواعيد والأسماء تكرار لسلوكهم قبل عهد، ولما انتهوا اليه في توليدهم العهد الآفل.
كثيرون يتحدثون ويمهدون لفراغ جديد، ويضيفون احتمالات سدّه ببقاء الجميع في مناصبهم. وفي الاطار يأتي تعثر ولادة حكومة جديدة، ليطرح ذلك نقاشاً عن دستورية توليها مهام رئيس الجمهورية لدى شغور منصبه، ما يقود الى اجتهاد بإبقاء الرئيس في موقعه حتى تعيين رئيس جديد يتولى تكليف رئيس للحكومة ويوقع معه مراسيمها.
التجربة هذه في حال حصولها ستكون تكراراً مزيداً ومنقحاً، محلياً في الأدوات واقليمياً - دولياً في القرار، لما حصل العام 2014 والعامين اللاحقين. في تلك الفترة اجتهدت الاطراف المحلية بقيادة «حزب الله» لتنظيم التعطيل سعياً لإيصال المرشح الوحيد، فيما كانت الأطراف الإقليمية والدولية تقود اللعبة في الخفاء أو في العلن على وقع مفاوضات النووي الايراني والدخول الروسي الى سوريا وانكفاء اوباما عن شؤون المنطقة.
كان وزير الخارجية الأميركية جون كيري الأكثر تعبيراً عن انسحاب اوباما الإقليمي عندما سأل رئيس الوزراء اللبناني تمام سلام (في ايلول 2014) عمن يعرقل الانتخابات الرئاسية. ما يهم كيري واوباما يومها كان الاتفاق الذي سينجز مع ايران في الصيف التالي.
الفرنسيون كانوا كعادتهم مهتمين بالوضع اللبناني. وينقل الزميل الراحل عبد الستار اللاز في كتابه عن فترة رئاسة تمام سلام الحكومة (الدولة المستضعفة) ما قاله لسلام مدير الشرق الأوسط وشمال افريقيا في الخارجية الفرنسية فرانسوا جيرو (كانون الأول 2014). يقول جيرو لسلام: «زرت موسكو والفاتيكان وطهران والتقيت الأمير سعود الفيصل في باريس. في ما يتعلق بلبنان، تباحثت مرتين مع نظيري الايراني عبد اللهيان وفاتحته بموضوع الانتخابات، لكنه في المرتين كان يتهرب من إعطاء اجابات واضحة…».
كانت باريس تفاوض طهران بشأن الرئاسة اللبنانية، وبعد ذلك بسنوات بقيت تفاوضها بشأن لبنان. وانتظرت ايران انجاز الاتفاق النووي والدخول الروسي الى سوريا لإكمال تخصيب الإجماع اللبناني حول مرشحها.
اليوم ترقّى اللهيان ولدى اوروبا وروسيا وأميركا ما يشغلها في اوكرانيا وجنوب الصين، والطاقم المحلي لا يفعل سوى تكرار كل ما يسيء الى بلده ومواطنيه.