كم من أضرار ومآسٍ وأخطار وجودية تلحق بالشعوب الصغيرة وتتسلّل الى حياتها اليومية تحت مظلّة الانتظار اللئيم لنتائج مفاوضات الكبار، وكم من وقت ثقيل يمرّ عليها وهي تحاول استكشاف مصيرها من خلال ما يجري بين الكبار، وكأن ما يصدر عن تلك المفاوضات هو الكلام السامي الذي لا يُعقل ان يُرفض او يُرد، بل يُنتظر، ليُبشّر.
تطرح الانظمة العظمى هواجسها ومصالحها الكبرى على طاولات الحوارات الطويلة، والغنية بالمناورات وبشد الحبال، وتجرّ خلفها الدول النافذة في زوايا العالم للدخول في عمليات تبادل الخدمات بين بعضها البعض لتصب كافة الجهود لصالح اتمام الصفقات المرحلية. فالتفاهمات بين الدول غالباً ما تكون مرحلية حيث تطابق وضعيات الدول وموازين قواها المتحرّكة. وفي ذات الوقت، ومع النجاح النسبي لهذه الارضاءات المشتركة، تترافق «قبات الباط» بين الدول الفاعلة على حساب الملفّات المُصنّفة ثانوية ودون التأثير الاستراتيجي، ولكنها غالباً ما تكون ملفّات اساسية بالنسبة للشعوب الصغيرة، وان اتمامها بشكلٍ او بآخر قد يؤثّر بشكل سلبي جداً على مصيرها الى درجة الالغاء والتهميش القاتل.
مع سلوك هذه المعادلات مسار التنفيذ والتطبيق، تنقسم الشعوب الصغيرة داخلياً الى فئات، منها من يركب القطار بتبنّيه دور التسهيل للصفقات الكبرى مقابل مكاسب خاصة له فيُقدّم نفسه ذخيرةً لاتمامها، ومنها من يصطف في صف الابطال الوطنيين الذين يُدافعون عن مبدئيتهم وقرارهم الحرّ، فيصبحون بحكم عدم التوازن في القوى بينهم وبين اصحاب المشاريع الكبرى، ذخيرة لتسخين مطابخ «الشوي والقلي والغلي» لمؤامرات الكبار، التي تتقصدهم لازالة عراقيلهم من امام سكة قطار التسوية المرحلية. كم من شعوبٍ انقرضت على ابواب المراحل الجديدة من الترتيبات الاقليمية والدولية، حتى باتت هذه التسويات تُشكّل كوابيس للشعوب المظلومة حيث تنتظر من كواليسها معرفة الأثمان التي ستدفعها، فتُقرّر حينها مسارها وخياراتها، فإمّا تقيّم امتيازاتها فوق مبادئها الوطنية فتقف في مصاف الخونة والمتعاملين، وإمّا تختار جهة الابطال المقاومين الرافضين والصامدين امام كافة الاخطار المتأتية من هذه الصفقات.
ما يجري حالياً في منطقة الشرق الاوسط من مفاوضات متعدّدة الجوانب تحت عنوان الملف النووي الايراني يحمل في طياته الكثير من حسابات المكاسب والنفوذ للدول الاقليمية خارج الرياح النووية، حيث تلفحها رياح غازيّة ونفطية واستثمارية ونفوذية. وينتظر الشعب اللبناني انفراج الاجواء التفاوضية كي تفض اسره وتسمح بعودة ضخ الاستثمارات والمساعدات اليه، ولكن سها عن بال معظم القادة اللبنانيين، قدامى وجدداً ومن كافة الاصطفافات السياسية حقيقة ان عدم تموضع لبنان في المكان الصحيح والمناسب لمصلحة استقراره لن يسمح له بالاستفادة من ايجابيات الاستقرار الاقليمي، وفي المقابل يُراهن «حزب الله» على تأمين حصة دويلته من مرجعيته الايرانية مع خشيته بأن يكون رهان «سمك في البحر» اذ، وان صفت النيات الايرانية تجاه لبنان المُصادر من قبل ذراعها العسكرية «فرع لبنان»، فانها لن تستطيع اعالته وتطويره وإنقاذه، كما لن تسمح لغيرها بالقيام بذلك.
ان محاولات «حزب الله» التموضع في المكان الذي يؤمن له ان يكون المُعرقل كما المُسهّل للملفّات الاقليمية، ممكن اعتبارها سياسة استراتيجية ناجحة في سياق المناورات التي تجرى بين القوى المتخاصمة والمتنافسة والمتحالفة ايضاً، لكن تجييره المكاسب، ان اتت، لصالح وطن الفرس بدل وطن الارز هو الخطأ بعينه، ولا خيار له لتفضيل الثاني عن الاول بسبب انتمائه الفكري والعقائدي، ولا امكانية ايضاً لعكس هذا التوجّه الا بقبوله بسياسة «الحياد» الاقليمي التي تتضارب تماماً مع مشروع تصدير تلك الثورة.
ان المقاربة الصحيحة لمعالجة المأساة اللبنانية تبدأ من مداواة المرض الاساسي الذي ان لم يُستأصل فسيحول دون التخلّص من العوارض، وان اصلاح الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمالية والسياسية لا يمكن تحقيقه باستمرار الجهات السياسية بطرح المعالجات الجانبية واهمال المرض الحقيقي، وقد يكون الهدف من التمسّك بهذا التضليل، التواطؤ مع المرض ضد المريض.
ان اعتماد الدول الكبرى سياسات اهمال الامراض المُسبّبة للعوارض، من خلال مفاوضتها الدول الراعية للازمات في الوقت الذي تعمل على التضييق على المنظمات التابعة لهذه الدول، قد انتج عالماً مضطرباً متميّزاً بالتفاوت الهائل بين مستويات الحياة البشرية، وهذا الواقع دفع ويدفع الى الحروب المُتكرّرة بنيّة قلب الامور ونقل الظلم من جهة الى اخرى، كما انتج مجازر تاريخية وصدامات حضارات وانقراض مجتمعات، وأكثر من يتحمّل مسؤولية هذه الخضّات هي الحسابات التنافسية الحزبية في الدول الكبرى التي ترتكز على المكاسب الانتخابية وليس على المبادئ الصحيحة، وان العامل الاكثر تأثيراً في هذه السباقات التي تجرى بينها على السلطة هو عامل تأمين رفاهية فئات عددية مستجدّة في تلك الدول، غادرت في السابق من الدول المتلقّية للمفاوضات الدولية، هرباً من الظلم والتعتير، الى الدول صاحبة القرارات الموجّهة للبشرية، فاصبحت هذه الفئات بأنانياتها وتنكّرها لاصولها السبب في عدم المساواة في الفرص والحقوق بعدما كانت هي بذاتها تنتمي لتلك الشعوب التي تعاني من عدم المساواة. هجرتها لبلادها كانت بسبب عدم معالجة العوارض واهمال الامراض. فهل تستمر الانسانية على هذا المنوال، ام تبدأ ورشة التخلّص من الامراض الاساسية فتقتلعها من جذورها؟؟؟