جرعة واحدة من الكيتامين تكبح الإفراط في الشرب

4 دقائق للقراءة

يكشف بحث جديد أن جرعة واحدة من الكيتامين، تزامناً مع تطبيق تقنية استرجاع الذاكرة، تسهم في تخفيف الرغبة في معاقرة الكحول وكبح سلوكيات الشرب الضارة لدى المعتادين على الإفراط في الشرب.

شملت دراسة تجريبية صغيرة 90 شخصاً، واستنتجت أن الكيتامين يبدو علاجاً واعداً وأكثر فعالية لسلوكيات الشرب المسيئة.

كان رافي داس من وحدة علم الأدوية النفسية العيادية في كلية "كوليدج لندن"، بريطانيا، المشرف الرئيس على التقرير الذي نُشر في مجلة "تواصل الطبيعة" وطرح تفاصيل النتائج.بدأ داس وزملاؤه بحثهم انطلاقاً من إطار علمي وعصبي يشرح ظاهرة الإدمان كسلوك يبحث عن المكافأة. وفق هذا الإطار التفسيري، تُضعِف المخدرات المُسبّبة للإدمان عمليات التعلم الطبيعية والمبنية على المكافأة.تتكل العناصر المُسببة للإدمان على روابط بين مؤشرات المخدرات، مثل رائحة أو شكل السيجارة أو كوب البيرة، والمكافأة المتوقعة.يوضح داس: "التعلم جزء محوري من الأسباب التي تجعل الناس يدمنون على المخدرات أو الكحول. تسيطر المخدرات على نظام رصد المكافآت داخل الدماغ كي يربط هذا الأخير بين "الحوافز" البيئية والمُخَدّر، ما يؤدي إلى إطلاق رغبة مبالغ فيها في تلقي المخدرات. لكن حين تترسخ تلك الذكريات عن المكافأة المنتظرة، يصعب للأسف أن يتعلّم الشخص مجدداً روابط صحية، لكنها عملية أساسية لمنع الانتكاسات".

في التجربة الجديدة، تلقى 90 شخصاً معتاداً على الإفراط في الشرب كوب بيرة، وما كانوا يستطيعون شربه إلا كمكافأة بعد إتمام مهمة معينة. طلب الباحثون من المشاركين تقييم رغبتهم في الشرب ودرجة متعتهم المتوقعة.كانت هذه العملية تهدف إلى جعل المشاركين يسترجعون ذكريات عن المكافأة التي ربطوها بشرب البيرة. تجدر الإشارة إلى أنهم اعتادوا على شرب حوالى 14 ليتراً من البيرة أسبوعياً، أي أكثر من الكمية الموصى بها في بريطانيا بخمس مرات. لا بد من إزالة المكافأة المنتظرة لإضعاف الذكريات المرتبطة بها. لذا سمح الباحثون للمشاركين بشرب البيرة في اليوم الأول، لكنهم تخلوا عن المشروب بطريقة غير متوقعة في اليوم التالي.

في هذه الظروف، يحاول الدماغ عموماً إعادة ترسيخ الذكرى. لكن يوقف الكيتامين عملية استرجاعها عبر إعاقة مُستقبِل دماغي أساسي لإعادة تنظيم الذكريات وترسيخها، وهو "إن-مثيل-دي-أسبارتات" (NMDAR).

أعطى داس وفريقه ثلث المشاركين جرعة كيتامين في اليوم الثاني، بعد حرمانهم من البيرة. وتلقّت مجموعة أخرى دواءً وهمياً، بينما أخذت المجموعة الأخيرة الكيتامين لكن من دون الخضوع لعملية استرجاع الذاكرة الأولية.

بعد 10 أيام على مراقبة المشاركين، رصدت التجربة تراجع الرغبة في شرب الكحول لدى من تلقوا الكيتامين وخضعوا لعملية استرجاع الذاكرة، كما أنهم استهلكوا كمية أقل بكثير من المشاركين الآخرين. كذلك، تراجع عدد أيام الشرب أسبوعياً في هذه المجموعة. كشفت التجارب التي استعملت عيّنة صغيرة من البيرة أن هؤلاء المشاركين كانوا أقل ميلاً إلى شربها، ولم يتلذذوا بها بالقدر نفسه وتراجعت نزعتهم إلى متابعة الشرب، مقارنةً بالمتطوعين في المجموعتَين المتبقيتَين. دامت هذه الآثار طوال تسعة أشهر.يوضح داس: "اكتشفنا أن وضع المعتادين على الإفراط في الشرب تحسّن على المدى الطويل، بعد علاج تجريبي سريع وسهل جداً. إنه أول إثبات على فعالية هذه المقاربة البسيطة والعملية. وبعد تفعيل هذه الطريقة غداة تكثيف الأبحاث عنها، نأمل في تحويلها إلى علاج مفيد للشرب المفرط أو حالات أخرى من الإدمان على المخدرات".لكن يبقى هذا البحث أولياً ولا يدخل في خانة التجارب العيادية. تعليقاً على مختلف استعمالات الكيتامين وأهمية هذه الدراسة، يقول سونجيف كامبوج الذي أشرف على الدراسة ويعمل بدوره في وحدة علم الأدوية النفسية: "الكيتامين دواء شائع وآمن ويُستعمَل لاستهداف اضطرابات نفسية متعددة، منها الاكتئاب. في الوقت نفسه، يستكشف باحثون آخرون منافعه المحتملة لتجاوز مشكلة شرب الكحول بطرقٍ مختلفة. بالإضافة إلى رصد هذا الأثر البارز وطويل الأمد على عادة الشرب، تتميّز دراستنا باستنادها إلى فكرة واضحة عن طريقة عمل الدواء في الدماغ لإعطاء مفعوله".