المواد الفلافونية عناصر موجودة طبيعياً في الفاكهة والخضار. يعرف العلماء منذ 20 سنة أنها تسهم في الوقاية من سرطان القولون والمستقيم، لكنهم لم يفهموا بالكامل المعطيات البيولوجية الكامنة وراء هذا الأثر.تَصِف دراسة جديدة الآن آلية جزيئية تجعل منتجاً مشتقاً من هضم المواد الفلافونية قادراً على كبح نمو السرطان في ظروف محددة.جرت الدراسة الأخيرة تحت إشراف فريق من جامعة ولاية "ساوث داكوتا" في "بروكينغز"، ونُشِرت نتائجها في العدد الجديد من مجلة "أمراض السرطان".
في البداية، كان الباحثون يحللون ما يفعله الأسبرين (حمض الأسيتيل ساليسيليك) لتخفيض خطر الإصابة بسرطان القولون والمستقيم.
في ذلك البحث، لاحظوا كيف تمكّن أحد مشتقات حمض الساليسيليك، وهو2,4,6-THBA (حمض ثلاثي هيدروكسي بنزويك 2-4-6)، من إبطاء نمو الخلايا السرطانية. فقرروا البحث عن مصادر طبيعية لذلك العنصر واكتشفوا أنه ينجم أيضاً عن هضم المواد الفلافونية التي تبدأ بالتفكك حالما تدخل إلى الأمعاء. ثم تُقَسّمها الجراثيم المعوية بدرجة إضافية إلى نواتج أيضية عند وصولها إلى القولون.
بعد رصد هذه العمليات، افترض العلماء أن الآثار المضادة للسرطان في المواد الفلافونية ترتبط بنواتجها الأيضية التي تشمل حمض 2,4,6-THBA.
يقول المشرف الرئيس على الدراسة، جاياراما غوناجي، أستاذ مساعِد في "كلية الصيدلة والمهن الصحية المتحالفة" في جامعة ولاية "ساوث داكوتا" (يُعرّف عنه التقرير باسم جي. جاياراما بهات): "افترضنا أن المواد الفلافونية لا تُخفّض احتمال نشوء سرطان القولون والمستقيم تحت تأثير العناصر الأصلية، بل المنتجات المتفككة. لم يتم استكشاف هذه المجالات بدرجة كافية".إنها أول دراسة تحلل ما يفعله حمض2,4,6-THBA المشتق من تفكك المواد الفلافونية في الأمعاء للوقاية من سرطان القولون أو المستقيم.
يشكّل القولون والمستقيم جزءاً من الأمعاء الغليظة. بمساعدة مجموعة من الجراثيم المعوية، تحصل المرحلة الأخيرة من الهضم في القولون، ثم تصل المخلفات المتبقية إلى المستقيم بانتظار تفريغها عبر الشرج. وفق إحصاءات أجرتها "مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها" في العام 2016، يحتلّ سرطان القولون والمستقيم المرتبة الرابعة على لائحة أمراض السرطان الأكثر شيوعاً في الولايات المتحدة، كما أنه رابع سبب لحالات الوفاة بسبب السرطان.
خلال العام 2016، اكتشف 141270 شخصاً إصابتهم بسرطان القولون أو المستقيم، وتوفى 52286 منهم بسبب هذين النوعين من السرطان.في الدراسة الجديدة، لاحظ الباحثون أن حمض 2,4,6-THBA يستطيع الاتصال بثلاثة أنزيمات تساعد الخلايا على الانقسام. فتساءلوا إذا كانت هذه القدرة كافية لإعاقة السرطان. لكن حين اختبروا ذلك الحمض على خلايا سرطان القولون، لم يرصدوا أي أثر.كشفت دراسات سابقة أن الحمض لم يستطع اختراق الخلايا من دون مساعدة بروتين ناقل اسمه SLC5A8 (ناقل أحادي الكربوكسيل المقترن بالصوديوم). لكن تستطيع الخلايا السرطانية أن تُعَطّل البروتين الناقل عبر طفرة جينية. تحمل هذه الأخيرة أثراً واقياً، ما يسمح للخلايا السرطانية بالتكاثر.
أثبتت اختبارات أخرى (شمل بعضها خلايا سرطانية تعبّر عن بروتين SLC5A8) أن حمض 2,4,6-THBA تمكّن من دخول الخلايا التي عبّرت عن البروتين الناقل، لكنه عجز عن الوصول إلى الخلايا التي لم تعبّر عنه. تثبت هذه النتائج برأي الباحثين أن حمض 2,4,6-THBA يحتاج إلى البروتين الناقل لكبح نمو السرطان.
يوضح غوناجي أن الناتج الأيضي للمواد الفلافونية يسهم في الوقاية من السرطان بطريقتَين على الأرجح: أولاً، يعطي حمض 2,4,6-THBA الخلايا المناعية فرصة تحديد موقع الخلايا السرطانية والقضاء عليها عبر إبطاء معدل انقسام الخلايا. ثانياً، يعطي الحمض الخلية وقتاً إضافياً لإصلاح أي ضرر في حمضها النووي من خلال إبطاء انقسام الخلايا.تتشكّل الطفرات نتيجة تضرر الحمض النووي، ما يزيد احتمال خروج الخلايا عن السيطرة ونشوء الأورام. بدأ الباحثون يحللون منذ الآن الجراثيم المعوية التي تفرز النواتج الأيضية انطلاقاً من المواد الفلافونية، ويتوقعون تطوير محفزات حيوية تسهم في الوقاية من سرطان القولون والمستقيم.في النهاية، يستنتج غوناجي: "تتعدد الأدوية التي تعالج السرطان، لكن لا يسمح أيٌّ منها بالوقاية من المرض. لذا قد يترافق اكتشاف الأثر الواقي لحمض 2,4,6-THBA ضد سرطان القولون والمستقيم مع منافع صحية هائلة".