نوال نصر

سارقون وقحون ومسروقون يسألون: "وينيّه الدولة؟"

كي لا يبقى "البلاغ" أسير الأدراج... هكذا تُعيدون ما سُلب منكم

24 آب 2022

02 : 00

حوادث النشل يومية
نظرياً، يصنع الفقر لصوصاً كما يصنع الحبّ شعراء. واقعياً، ليس كلّ من تنبح عليه الكلاب لصاً. وبين النظري والواقعي نتابع بالعين المجردة مشاهد سرقات قد لا تخطر في البال. فكيف نميّز بين من يسرق ومن قد يكون سارقاً؟ وهل يجوز إعلان أسماء ووجوه من قد يسرقون- ومن نظن أنهم يسرقون؟ وماذا عن عشرات الفيديوات التي تردنا يومياً عن سارقين وسارقات ومعتدين ومعتديات؟ كيف تلتقط الفيديوات وتُنشر؟ وماذا عن احتمال الخطأ والصواب فيها؟

«وينيّه الدولة؟» بربكم أين هي المسماة دولة؟ نبحث عنها بالسراج والفتيلة. عبثاً. فنلجأ الى «ذاتية» التصرف دفاعاً عن النفس مرة والتقاط مشاهد الأخطاء و»الأشرار» مرات ومرات، في سعيّ دؤوب الى إثبات جرم وجنحة واعتداء. لكن، ماذا عمن أصبحوا متمرسين بذلك؟ كيف يعملون كي لا يقعوا في الخطأ؟ وهل كل ما ينشرونه عن حوادث غير قانونية ولا أخلاقية قانوني؟

اساليب اللصوص كثيرة ومخيّلة الناس واسعة. نتصل بصفحة «وينيّه الدولة» التي لديها 278 ألف متابع. صاحب الصفحة لا يجيب والخط يقطع مباشرة. نلجأ الى وسائل عدة لالتقاط «المصدر» الى أن نصل الى رأس الصفحة. إسمه سامي كما يقول. رجل ناضج وزوج وأب وموظف قرر قبل تسعة أعوام، وتحديداً في العام 2003، إفتتاح الصفحة. «المعلومات عني ليست للنشر». نعطيه وعداً. فهو مطلوب من تجار مخدرات ولصوص و»مشكلجيي» يعملون السبعة وذمتها ويريدون «رأسه». فهل هو شجاع أكثر مما نتصوّر أم أن وراءه «أقوياء» أكثر مما نتصوّر؟



خفة ورشاقة واحتراف



مصدر إزعاج

على حدّ قول سامي «وصلتُ الى مرحلة بات كل من يلتقط فيديو لمخلٍّ في الأمن ولصٍّ يتّصل بي قبل اتصاله بالمخفر» يضيف: «بدأت صفحتي بوضع الأعمال المخلّة بالنظام والقانون والأخطاء التي تقوم بها عناصر الأجهزة الأمنية، والتي لا «يسترجي» أحد الكلام عنها. لم تكن هويتي واضحة لكن يوم عرفوني أوقفوني. ويستطرد بالقول: الأجهزة تكرهني. ولا تتعامل معي، على عكس الإشاعات في الموضوع. لأنني كنت مصدر إزعاج حتى لها لأنني أنقل الى الناس علناً كل ما يحصل خفية. لم أرد أن تُعرف شخصيتي لأن لا أحد يدعمني. وذات يوم تمكنت الأجهزة من إقفال صفحتين لي على الفيسبوك وثالثة على تويتر في لحظة واحدة. وهو أمر إعتبرته غريباً عجيباً. ويومها قلت، في قرارة نفسي، لن أقترب من الأجهزة بعد اليوم. ضعفت صفحتي الثالثة على الفيسبوك كثيراً. وكنتُ في كل مرة أتوقف فيها على أنني صاحب صفحة «وينيه الدولة» وكأنني أقوم بجرم».

«إهتممتُ أكثر بالسرقات التي تحصل وحالات الإجرام التي تتمّ يومياً. ومن يومها أتعرض الى تهديدات متتالية. هناك من صوّر الإنترفون في منزلي ووضع عليه دائرة حمراء وأرسل الصورة إليّ. زعران. كثيرون قالوا لي: إذا اصاب ولدك شيء ماذا تفعل؟ لكنني أصررت. لماذا؟ شيء في داخلي يدفعني للمتابعة وأنا مدرك أنني في مواجهة مجرمين لا رادع لهم إلا الإعلان عما يفعلون». يذكر سامي أسماء أشخاص يحمون اللصوص والمجرمين ومنهم: م. إ. وك. أ. ويقول: «هناك أسرٌ مجرمة بالكامل: الأب والأخ والإبن والوالدة. وهناك عائلات أكثر من شخص فيها في السجن وهناك محميات وشبكات وجهاز المعلومات لدينا صغير «ما بيطلع بإيدو إنهاء الشواذ».



هناك عائلات بأسرها تمتهن السرقة



تحذير

نراقب «وينيه الدولة» فنقرأ في آخر الفيديوات المعروضة: «بعد دقائق من عرضنا فيديو يظهر سرقة دراجة نارية من منطقة برج أبي حيدر من قِبل لصّ مجهول الهوية وحذرنا أهل بيروت من التعرض للسرقة من قبله وقع في قبضة صفحة «وينيه الدولة». نفتح الفيديو فنقرأ: الفيديو هذا هو بغرض مساعدة المواطنين في الحصول على حقوقهم القانونية وإرشادهم الى الطريقة الفضلى لحماية ممتلكاتهم. نشاهده فنسمع المسروق الذي أرسل فيديو يظهر وجه السارق فيه ويخبّر كيف سرقت دراجته النارية وقدّم بلاغاً في مخفر البسطة. وجه السارق بات في قبضة «وينيه الدولة» والبلاغ بات في درج المخفر. فكيف تتابع الصفحة الموضوع؟ يجيب صاحبها: «يرسل المسروق الفيديو عادة إلينا واتساب لعلمه أن البلاغ الذي قدمه لن يصل الى مكان رسمي او امني. ونحن ننشره ويراه الآلاف. ونحن نعلم أن الشخص إذا كان ينتمي الى مناطق معينة في البقاع فلن نتوصل الى خواتيم سعيدة كونه لا يهاب «الجرصة» أما إذا كان من الجنوب فهو يخافها وسيتصل بنا يرجونا إزالة الفيديو على أن يعيد ما سرق. وثلاثة أرباع المسروقات تعود من خلالنا في حين لو بقيت في المخفر لنامت الى الأبد».

في الأمر ابتزاز لكن لمصلحة المسروق. إنه ابتزاز مشروع برأي صاحب صفحة «وينيه الدولة» ويقول: «هو يتزامن مع التفاوض بينه وبين صاحب الدراجة المسروقة مثلا. وأنا أدق للسارق وأقول له: إذا لم تعِد ما سرقت سأُنزِل إسمك الكامل وعنوانك. وهكذا يعيد المسروقات. وتنجح تلك المحاولات مع السارقين الذين يخافون من «الجرصة» خصوصاً إذا كانوا بيارتة فالسارق البيروتي يكاد «ينفجر» إذا رأى صورته في حين أن السارق في بعض البلدات البقاعية «ما بتفرق معو».

لا يقبل صاحب «وينيه الدولة» إلا فيديوات واضحة الوجوه ويقول «أحيانا يطالب من تعرضوا للسرقة بنشر فيديوات حصلوا عليها لا تكون واضحة ويتشاجرون معي إذا لم أقم بإنزالها على الرغم من تأكيدي لهم أنها لن تسلك المسار الصحيح».


محترفون وهواة

ليس صحيحاً أن الحرمان وراء كثرة السرقات اليوم. ويقول سامي «هناك سارقون محميون ووقحون وبحقهم مذكرات كثيرة ولا يخشون شيئا. لذا، لا أرى أن السارقين زادوا بل وقاحة بعض السارقين هي التي زادت. فالجائع اليوم لا يسرق بل من اعتاد أن يسرق في كل الأزمان والأزمات بات يكثر من سرقاته اليوم. بات هؤلاء وقحين والأجهزة الأمنية تعرفهم لكن لا متابعة دائما من قِبلها. ويستطرد بالقول: في موازاة السارقين المحترفين هناك نشالون يقومون بنشل أشخاص من أجل جرعة كوكايين أو هيرويين وهناك مرضى يسرقون لهوسٍ يعانون منه. وهناك من قد يجدون هاتفا متروكاَ في مكان فيسحبونه ويضعونه في جيبهم. وهؤلاء لا أسميهم سارقين بقدر ما أجد أن المسروقين عديمي الإنتباه».

يسمي سامي مناطق وبيوتات يكثر عدد السارقين فيها ويقول «يمتهن أفراد بيت (...) في الضاحية الجنوبية السرقة وهؤلاء إختصاصيون بها ويتصرفون مثل الأفلام الأميركية ويكون في حوزتهم كومبيوتر يفككون فيه أنظمة الدراجات النارية الكبيرة، التي تزيد قيمتها عن عشرة آلاف دولار، ويرسلونها الى ما وراء الحدود».



الإنتباه واجب



الإحصاءات الرسمية تتحدث عن زيادة في عدد السرقات فهل لدى «وينيه الدولة» إحصاءاتها الخاصة؟ يجيب سامي: «ليس هناك آدمي يسرق مهما ساءت به الظروف. ويكذب من يقول العكس. هناك اليوم (يكرر) سارقون وقحون يزيدون يومياً من عمليات السرقة التي يقومون بها، وهم يتحلون بجرأة رهيبة. إنهم يسرقون جنب ثكنة الحلو».

أكثر ما يتابعه المشاهدون هو السرقات التي تقوم بها نساء. هي تحصد أكبر نسبة مشاهدة. وهناك فيديوات تزيلها الدولة إذا ثبت أن فاعليها تحت سن الرشد. لكن، هل في مثل هذا النوع من استرداد الحقوق تصرف قانوني؟ أليست القوى الأمنية نفسها تخفي وجه الموقوف حين تعرض صورته وتضع اسمه وكنيته بالحرفين الأوليّن؟

أستاذ القانون حنا البيطار يقول: «حتى إذا تمّ توقيف سارق بالجرم المشهود يبقى الأمر ملتبساً من الناحية القضائية الى حين الإنتهاء من التحقيق لأنه في القانون العام لا يمكن النظر الى أي قضية ذات طابع جرمي جزائي إلا بسماح من القضاء. فلا يحقّ لأيٍّ كان تقدير ما إذا كان هناك جرم أم لا. ولا يجوز تسمية الشخص المتهم باسمه الكامل قبل إنتهاء التحقيق وصدور القرار الإتهامي او الظني والحكم عن المحكمة. لا يجوز قانونياً التعرض للأشخاص إلا بعد صدور الحكم والحصول على إذن من القضاء».

بين ما يجوز وما لا يجوز نعيش في دولة ليست مثل أي دولة. فهناك يومياً من «يجرجرون» على الطرقات من نشالين، وهناك من يخسرون كل جنى العمر من لصوص محترفين، ومن يضطرون الى تركيب الأبواب الحديدية إحتراساً، ومن يعبرون في الأحياء واياديهم على قلوبهم. فهل نقول الى كل هؤلاء ممنوع عليكم الأمن الذاتي؟ هل نقول لهم ممنوع عليكم أن تذهبوا بفيديو يوثق خسارتكم الى اي مكان يساعدكم على إعادتها مرددين: وينيه الدولة؟


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.