طوني فرنسيس

ضد التوافق والإجماع

3 دقائق للقراءة

لم تنجح تجربة الإجماع في الحياة السياسية اللبنانية، لا في حكومات التوافق الوطني ولا في انتخابات رئاسة الجمهورية.

في حكومات التوافق صار مجلس النواب حكومة وفقد دوره في مراقبة عمل السلطة التنفيذية. وبات يُختصر برؤساء الكتل فيه، وهؤلاء يختصرون شعباً وبلداً ونظاماً سياسياً. ورؤساء الكتل الذين يتقاسمون النفوذ والحصص والسلطة ألغوا معنى الانتخاب الشعبي بعد تفصيلهم قوانين انتخابية على مقاس مصالحهم ولضمان حصولهم على مقاعدهم، ثم ألغوا معنى النائب كممثل للأمة، وبإحتكارهم التوافق على حكومة تمثل الجميع حسب أحجامهم، ألغوا الحكومة فتحولت، بعد متاعب تشكيلها الى مجلس مندوبين، يُقاد من الخارج، ولهذا السبب اتخذ بعض رؤساء الحكومات في السنوات الأخيرة قرارات بمنع الوزراء من الخروج من اجتماع الحكومة كي لا يتصلوا بمرشديهم لدى طرح كل بند ولم تنجح التجربة، فحل الواتس أب محل الإتصال وتأكدت صفة العجز في حكومات التوافق الوطني.

في الرئاسيات بلغت صيغة الإجماع أوجها منذ بداية التدخل العسكري الخارجي في الشأن اللبناني. فرض السوريون انتخاب الياس سركيس بشبه اجماع وأجلسوا ريمون اده في منزله قبل أن يحلّ ضيفاً مهجراً الى باريس وفيها، وبعد الاجتياح الاسرائيلي حصل اجماعٌ على الشيخين بشير وأمين الجميّل، ثم في العهد السوري كان اسم الرئيس يحدد في دمشق، وفي بيروت يُصنع الإجماع على تعيينه ثم التمديد له.

بعد الخروج السوري تولى «حزب الله» المهمة صار للإجماع بعدٌ ايراني ممانع ومقاوم. واقتضى الأمر تسوية مرحلية تمت بالإجماع في الدوحة بعد ايار 2008، جرت ترجمتها في مجلس النواب بانتخاب ميشال سليمان رئيساً، وبعد نهاية عهده صار لازماً لتحقيق الإجماع تعطيل المجلس النيابي عامين ونصف العام قبل فرض القناعة الإجماعية بتعيين ميشال عون رئيساً.

طوال هذه العقود المهدورة حول فكرة التوافق، هَزُلَ الحكم وتداعت اركان السلطة القانونية والدستورية ولم يعد للنظام البرلماني اي معنى. بات انتخاب رئيس الدولة يحتاج سنوات لتحقيق اجماع عليه، ولحقه موقع الحكومة ورئيسها، حيث لم تتشكل حكومة إلّا بعد جهدٍ جهيد وشهورٍ من المماحكات وكل ذلك باسم التوافق… والميثاقية.

وبعد…

لن يتقدم البلد نحو الحل اذا بقي هذا المنطق سائداً. فالأصول تقتضي اعطاء معنى النظام البرلماني الديمقراطي أبعاده كافةً. بمعنى ان تنتخب الأكثرية البرلمانية رئيس الجمهورية وتشكل الحكومة فيما تمارس الأقلية حقها وواجبها في المعارضة والمحاسبة. كان الاجماع يأتي بشخصيات مبتذلة كما قال يوماً كمال جنبلاط، ولكنه في ظروفنا وتحت تأثير قوى مهيمنة من خارج النظام يأتي بما هو أدهى من الابتذال، وهذا ليس من الديمقراطية ولا هو من منتجاتها. الاجماع المطلوب هو فقط في تشريع المبادئ القانونية والدستورية والالتزام بها، أما في سياسة البلد فكل اجماع هو سقوط في الديكتاتورية المقنّعة.