إن مجرّد الإعلان عن زيارة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للجزائر يعني - بمجرد الإعلان عنها - أن قدراً من التوافق مهّد لإمكان حصولها، بل لتخفيف التوتر بين البلدين.
إلا أنّ من تابع وقائع زيارة سابقة لماكرون، في ولايته الرئاسية الأولى، كان بإمكانه كتابة ما كتبتُه أعلاه عن الزيارة الأولى (إلا في حال حصول مفاجآت دبلوماسية صعبة التوقع).
ومن يعد إلى زيارات رئاسية أو حكومية سابقة في عهود ما قبل ماكرون، يتحقق من أن الزيارة تحصل، لكن الخلافات لا تلبث أن تظهر من جديد، أو تظهر قضايا خلافية ناشئة.
ذلك أن العلاقات بين البلدين تبدو، بعد ستين سنة ونيف من استقلال الجزائر (في العام 1961)، أو بعد أقل من مئة سنة بقليل على خروجها من العهد الاستعماري (منذ العام 1830)، كما لو أنها معلقة غداة إعلان إيقاف العمليات الحربية بين القوى المتخاصمة.
فأكثر من "ملف" لا يزال عالقاً، ولعل أصعبها ملف "الحركيين"، أي الجزائريين الذن "تعاونوا" مع جيش الاحتلال، بل شكلوا قوة "رديفة" له : ملفٌ ملتهب حتى أيامنا هذه، ملف عالق من دون حلول، فلم تحل قضية ملكيات بعضهم أو حقوقهم، ولا يقوى أي "حركي" (إذا كان لا يزال على قيد الحياة) منهم على زيارة الجزائر لدفن أمه أو والده!
لا أريد تعداد الملفات العالقة، ولا الحديث عن أحوال "الحركيين" التي تعرفت إلى بعضها في أكثر من مدينة في جنوب فرنسا، ولا سيما في الجهة الشمالية من مدينة مرسيليا...
ما يستوقفني في هذا النزاع المفتوح، هو أنه يشبه نزاعاً بين بلدَين جارَين، لهما حدود مشتركة، واختلاط شديد بين السكان فيهما.
ألا يجدر بقيادة البلدين وضع حدّ لهذه النزاعات الموروثة منذ نهايات الحقبة العثمانية، وبدايات التوسع الاستعماري لفرنسا في العالم؟ ألا ينتسب هذا النزاع إلى عالم مضى؟ ألا يبدو "تحريك" مواجع في هذا النزاع مفتعلاً في بعض دوافعه، ويقصد منه "إشعال" شعبويات خامدة؟
وما يقال في هذا النزاع، يمكن أن يقال - ولو لأسباب أخرى - في ما يجري بين المغرب والجزائر، والذي بلغ في الأشهر الأخيرة حدّاً عالياً من القطيعة.
ألا يمكن "التخفيف" من حدّة القطيعة بينهما، فلا تبلغ الشعبين والزيارات والعلاقات والوشائج بينهما؟ أيمكن نسيان أن مغاربة، والملك المغربي في مقدّمهم، سارعوا إلى دعم الجزائريين بمجرّد قيام مقاومة المحتل الفرنسي بقيادة الأمير عبد القادر الجزائري؟
التاريخ - مهما تكابرنا عليه، أو تبرّمنا منه - يبقى ملزماً لنا، ولنا أن نخفف من مفاعيله المضرّة بنا. فكيف يمكن أن نتدبر أسباب عيش وتعاون فيه مع جيراننا، الذين ليسوا بأعدائنا في هذه الأحوال!
أليس هذا من أدوار ومهام الحكام والسياسات والدبلوماسية خصوصاً؟