خاص - نداء الوطن

قطوع وفاة الموقوف السوري:"أمن الدولة" يحتكم للقضاء

5 دقائق للقراءة

لا يخفى على أحد أن العين الدولية مفتوحة على لبنان في ما يخصّ النازحين السوريين، وكل المؤسسات الدولية لا سيما الحقوقية منها تكون حاضرة مباشرة عند أي شكوى أو تظلم أو حادث يصيبهم على المستوى الفردي أو الجماعي، لا بل وصل «التغنيج» حدّاً صار معه كل لبناني يتمنّى لو يتمّ التعامل معه من قبل دولته أو المجتمع الدولي كما يتم التعامل مع النازح.

كثيرة هي القضايا التي تثار عن التعاطي مع النازحين السوريين بعضها حقيقي وبعضها الآخر مفتعل ومفبرك، إلّا أن ما وصلت إليه الأمور من احتقان يظهر مدى العدائية المتنامية في نفوس الشعب اللبناني تجاه النازح السوري الذي له «في كل عرس قرص». وفي نظرة سريعة الى ارتفاع نسبة الجريمة في لبنان نجد أن عدد السوريين المنفّذين أو المشاركين مرتفع جداً، فضلاً عن نقل بعضهم أفكاراً وتوجّهات وانتماءات تبيح ارتكاب كل أنواع الجرائم الإرهابية. في المقابل، نجد عدائية بائنة لدى النازح السوري تجاه اللبناني يردّها البعض الى انخراط جهات لبنانية في الحرب السورية، إن مع النظام السوري أو ضده.

وقائع وملاحظات

في حادثة وفاة الموقوف السوري أثناء التحقيق معه في مركز جهاز أمن الدولة في تبنين بعد توقيف خلية تابعة لتنظيم «داعش» الإرهابي في بنت جبيل، تجمّعت كل العوامل النفسية من أحقاد متبادلة وعدم تقبّل الآخر وصولاً الى اللحظة التي فقد فيها جميع من كان في المركز القدرة على السيطرة، لذلك يسجّل مصدر متابع لـ»نداء الوطن» الوقائع والملاحظات التالية:

أوّلاً: بعد توقيف خلية «داعش» في بنت جبيل من قبل جهاز أمن الدولة، وأثناء التحقيقات مع أفرادها أقرّوا عن شريكين ما زالا متواريين عن الأنظار، وبعد رصد ومتابعة تم توقيف أحدهما (وهو الذي توفّي لاحقاً) وتستمرّ عملية متابعة الآخر وتضييق رقعة حركته تمهيداً لتوقيفه، ويرجّح أن يكون تمّ توقيفه ولكن من دون الإعلان عن ذلك. وأثناء مواجهة أفراد الخلية مع الموقوف الذي توفي لاحقاً حصل تضارب بينهم لاعتبار الأخير أنّهم خانوه بالإقرار عنه، وهو من الإرهابيين الخطيرين الذين قاتلوا الى جانب أبي بكر البغدادي. تدخّل عناصر التحقيق لفض الإشكال ونالهم من الضرب النصيب الوافر وأصيب أحد العسكريين بكسر في يده، هنا انهال عناصر المكتب بالضرب على السوريّ الداعشي ما أدّى الى توقّف قلبه ووفاته.

ثانياً: على الاثر تم وضع كامل الملف في عهدة القضاء المختص، وكانت التحقيقات تتمّ بناء لإشارته، وكشفت الأدلة الجنائية لـ(فرع المعلومات) على جثة المتوفّي وأجرت الصور الشعاعية وفحوصات الدم، كما أخذت صوراً فوتوغرافية للجثة، وتم توقيف رئيس المركز والعناصر الذين كانوا يحققون مع الخلية الداعشية، إلا أن صور الجثة تمّ تسريبها الى إحدى وسائل الإعلام وجرى تداولها لاحقاً على نطاق واسع، ما يدلّ على إرادة بإظهار القضية الى الضوء وجعلها قضية رأي عام، وهذا ما اعتبره البعض أنه ربما يدخل من ضمن صراع الأجهزة في لبنان، علماً أنه في كل اجتماع للمجلس الأعلى للدفاع أو اجتماع أمني موسع يتم التأكيد على أهمية التنسيق الكامل بين الأجهزة وتعاونها، إلا أن هذا الأمر يبقى حبراً على ورق.

ثالثاً: منذ تعيين العميد حسن شقير نائباً لمدير عام أمن الدولة، وهو يعمل على نقل خبرته وتوظيف الشبكات التي كان يديرها لإنهاض الدور الأمني لمديرية أمن الدولة، وعمد الى تشكيل فريق استشاري خاص به ومن ضمنه صحافيون اعتاد العمل معهم في مديرية المخابرات، وهو الذي أدار عملية الكشف وتوقيف خلية داعش في بنت جبيل وتعاطى مع الأمر على أنه الإنجاز الأساسي الأول له في المديرية، والعملية بالكامل تمّت في فترة غياب مدير عام أمن الدولة اللواء طوني صليبا خارج البلاد في مهمة تتصل بعمل المديرية، ولم يكن قد مضى أقل من ساعتين على وصول اللواء صليبا الى مطار رفيق الحريري الدولي قادماً من قبرص حتّى تمّ إبلاغه بالقضية، فعقد اجتماعاً سريعاً أكد في خلاله أن الجميع تحت القانون وأن هذه القضية يجب ألا توهن عزم المديرية عن متابعة عملها.

رابعاً: حاول العميد شقير أن يحمّل رئيس مركز تبنين في أمن الدولة كامل المسؤولية، ولكن فاته أنه بغياب المدير تنتقل كامل الصلاحية والإمرة اليه، وبما أنه هو من أدار عملية التوقيف يُفترض به أن يدير عملية التحقيق وأن يكون على متابعة لحظوية لكل المجريات، وبالتالي أن يضع كامل الحمل على رئيس المركز وعناصره هو هروب موصوف من تحمل المسؤولية باعتباره المسؤول الأول عن كل ما يحصل طيلة فترة غياب المدير خارج البلاد.

وتكشف مصادر أمنية لـ»نداء الوطن» أن العميد شقير كان قبل فترة قد عقد اجتماعاً مع رئيس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي العميد خالد حمود، بهدف وقف التنازع والتصارع بين الجهازين بعد سلسلة إشكالات حصلت بينهما، وتم الاتفاق على طي الصفحة والبدء بالتعاون من جديد، إلا أنّ سياق الامور بعد هذا الاجتماع لم يبشّر بالخير، لذلك بعد تسريب صور الموقوف المتوفي استشاط العميد شقير غضباً وأصرّ على إصدار بيان فيه هجوم عنيف على العميد حمود من دون أن يسميه، إلا أن اللواء صليبا رفض الأمر بالمطلق وأعطى تعليماته بإصدار بيان هادئ وسلس ووضع كامل القضية في يد القضاء، وهذا ما حصل.

وتضيف المصادر أن الصراع انتقل الى داخل جهاز أمن الدولة، بدليل أن تسجيلاً صوتياً للعميد شقير كان عمّمه على رؤساء المراكز والمناطق في مديرية أمن الدولة، وهو تسجيل محصور جداً، تم تسريبه وتداوله عبر مجموعات الـ»واتساب» ووسائل التواصل الاجتماعي، وهناك تبادل اتهامات بين ضباط محسوبين على حركة «أمل» وآخرين محسوبين على «حزب الله» حول تسريب التسجيل، الأمر الذي سارع الى حسمه المدير العام بالتأكيد على تماسك الجهاز من خلال تطبيق القانون والتعليمات على الجميع بلا استثناء.