مايكل كيماج

تداعيات الفراغ الذي تركه غورباتشوف

5 أيلول 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

الزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف محاطاً بزوجته رايسا والمستشار الألماني هيلموت كول وعدد من الأشخاص | 10 تشرين الثاني 1990

يمكن اعتبار ميخائيل غورباتشوف، الزعيم السوفياتي السابق الذي توفي في 30 آب عن عمر 91 عاماً، "أحمقَ مقدّساً". لم تكن شخصيته تتماشى مع المجتمع السوفياتي التقليدي الذي وُلِد فيه، في العام 1931، لأنه كان سوفياتياً حتى النخاع ولم يتخلَ عن جانبه السوفياتي يوماً، رغم انهيار الاتحاد السوفياتي في العام 1991. تفوّه غورباتشوف بحقيقة بالغة الأهمية حول السياسة الدولية، فتكلم عن أهمية أن تبدي تلك السياسة اهتماماً معيّناً بالإنسانية بدل حصر تركيزها بالأنانية الوطنية. تتّخذ هذه الحقيقة أهمية خاصة في العصر النووي. سرعان ما تبيّن أن أكبر نجاح في مسيرته، أي إصلاح الاتحاد السوفياتي في أواخر الثمانينات، هو أكبر إخفاق له، فقد أدّت تلك الإصلاحات إلى ثورات سلمية في أنحاء الإمبراطورية السوفياتية. بعبارة أخرى، مهّدت إصلاحات غورباتشوف لزوال الإتحاد السوفياتي من الوجود.

لكن كان غورباتشوف نقيضاً لشخصية "الأحمق المقدس" من ناحية أخرى، فهو بعيد كل البعد عن "النبوءة". في بداية الثمانينات، توقّع هذا الزعيم شكل العالم المرتقب، فشملت رؤيته المثالية اتحاداً سوفياتياً محوره "اللينينية" الساطعة ومساحة أوروبية تمتدّ سلمياً من لشبونة إلى فلاديفوستوك، ما يعني ترسيخ مبادئ الحرية والأخوّة والمساواة أخيراً. لكنّه لم يتوقع ما سيؤول إليه العالم بعد البدء بتطبيق إصلاحاته. هو لم يتوقع سقوط الاتحاد السوفياتي، أو تجزئة أوروبا خلال التسعينات (نصفها في الاتحاد الأوروبي والنصف الآخر خارج الاتحاد، ونصفها في الناتو والنصف الآخر خارج الحلف). كما أنه لم يتوقع صعود الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي كان سوفياتياً بقدر غورباتشوف لكنه لم يعوّل على المثالية السوفياتية. كان بوتين يقدّر القوة السوفياتية (والقوة الروسية أيضاً) بطريقة لم يُعبّر عنها غورباتشوف يوماً.

في النهاية، يرتكز اللغز الذي شكّله الزعيم السوفياتي السابق على التمييز بين غورباتشوف الإنسان وغورباتشوف رجل الدولة. إنهما شخصان مختلفان.



رجل محترم في نظام شائب

ربما كان غورباتشوف شخصاً متغطرساً عندما بلغ ذروة نجاحه، ويمكن اعتباره نموذجاً يستحق الدراسة عن المفكرين الذين يصلون إلى السلطة، فيميلون إلى تطبيق أفكار طموحة وصولاً إلى مرحلة التضحية بالذات. لكن كانت أخلاق غورباتشوف استثنائية، فهو لم يكتفِ بالتعبير عن احترامه للنظام السوفياتي الذي كان مزيجاً سلساً من الجريمة وقوة الدولة. بل إن أخلاقه دفعته أيضاً إلى تقبّل تكاليف يصعب أن يتقبّلها عدد كبير من السياسيين الآخرين. لم تمنعه غطرسته إذاً من تقديم التضحيات خدمةً لمبادئه.

لكنّ هذا الاحترام بحد ذاته ترافق مع تداعيات انعكست على تاريخ العالم أجمع. لم يكن غورباتشوف رجل سلام بمعنى الكلمة، فهو استعمل عنف الدولة لقمع المبادرات السياسية التي لم يوافق عليها في مراحل عدة، بما في ذلك في ليتوانيا، في كانون الثاني 1991، حين قتل الجنود السوفيات 14 محتجاً سلمياً وأصابوا 140 آخرين. لا تكمن أخلاق غورباتشوف العالية إذاً في رفضه العنف ككل بل في رفضه أعمال العنف الجماعية ومفهوم العنف العدمي. لقد كان يملك وسائل العنف الجماعي، لكنه اختار في معظم الأوقات ألا يستعملها ضد المعارضين أو الحركات الانفصالية في جمهوريات البلطيق، وتشيكوسلوفاكيا، وألمانيا الشرقية، والمجر، وبولنــــــدا. هو لم يرغب في التخلي عن تلك الجمهوريات السوفياتية والدول التابعة لها. لكنّه تخلى عنها في نهاية المطاف، وهي مكافأة نادرة في سجلات التاريخ الأوروبي.

تتعلق مكافأة أخرى، ولو أنها أقل وضوحاً وأكثر تعقيداً، بالطريقة التي لجأ إليها غورباتشوف للتخلي عن سلطته. بحلول كانون الأول 1991، تفوّق عليه رئيس المجلس السوفياتي الأعلى للاتحاد الروسي، بوريس يلتسن. في شهر آب من تلك السنة، أصبح غورباتشوف أكثر ضعفاً بعد محاولة الإنقلاب التي نفّذها متشددون سوفيات كانوا قد وضعوه تحت الإقامة الجبرية. لكن فشلت تلك الخطة بسبب قلة كفاءة المتآمرين. وبعد مرور بضعة أشهر، اضطرّ غورباتشوف للتنحي أخيراً، حين بدأ يلتسن ونظراؤه الأوكرانيون والبيلاروس تفكيك الاتحاد السوفياتي. لكن لم يقرر غورباتشوف استدعاء الجيش، ولم يطلق أعمال عنف في الشوارع، أو يطلب من الموالين له داخل الاستخبارات السوفياتية أن يبقوه في السلطة بالقوة. على عكس قادة سوفيات آخرين، من أمثال جوزيف ستالين وليونيد بريجنيف (وعلى عكس بوتين على الأرجح)، فضّل غورباتشوف ألا يموت وهو في السلطة. بعبارة أخرى، من الأفضل ألا يتمسّك أصحاب السلطة بمناصبهم بأيّ ثمن.

كان غورباتشوف شخصاً محترماً على الأرجح، لكنه قدّم أداءً سيئاً على نحو كارثي كرجل دولة. رغم ثقته العالية بنفسه، وبراعته الفكرية، وقوة تحمّله الفائقة، لم يكن يعرف ما يفعله. بحجّة الحفاظ على شكلٍ من "اللينينية"، وهي نزعة تراجع تأثيرها على طريقة عمل الاتحاد السوفياتي، اتّخذ غورباتشوف سلسلة من الخطوات التي خرجت عن السيطرة بعد فترة قصيرة. بعدما منح الأفراد والجماعات حرية متزايدة لإنقاذ الاتحاد السوفياتي، اضطر لمشاهدتهم وهم يستعملون تلك الحرية لإضعاف الاتحاد السوفياتي. هو لم يفهم دوافع الناس الخاضعين لحُكمه، ولم يدرك نزعتهم القومية أو ميلهم إلى تحقيق مصالحهم الخاصة، ولم يفهم دور الإكراه في تعويم الاتحاد السوفياتي، فلم يتوقع نتائج تراجع الإكراه بفضل "الانفتاح" و"إعادة الهيكلة": إنها الشعارات التي اشتهرت خلال عهده.

لا يمكن لوم غورباتشوف على حروب بوتين المريعة في أوكرانيا. ربما كانت مواقفه المعادية لبوتين متفاوتة (من المعروف أنه لم يكن معجباً به)، لكنه ما كان ليخوض هذا النوع من الحروب. مع ذلك، يتحمّل غورباتشوف مسؤولية الظروف التي شكّلت شرطاً مسبقاً لحروب بوتين والحالة الكارثية التي وصلت إليها علاقات روسيا مع الغرب. أنتجت قلة كفاءة غورباتشوف كرجل دولة فراغاً هائلاً في وسط أوروبا وشرقها، فهو لم يطرح رؤية مستدامة لهذه المنطقة المحورية استراتيجياً. لقد كان محترماً لدرجة ألا يبقي هذه المنطقة تحت سيطرة موسكو، لكنّ نزعته السوفياتية المفرطة منعته من التفاوض على مجموعة أخرى من الترتيبات، وسرعان ما سيطر عليه الارتباك بكل بساطة.

تُكرّم الثقافة الشعبية الروسية الشخصيات "المقدّسة" التي تحمل صفة الحماقة. تشتقّ شخصية "الأحمق المقدّس" من الديانة المسيحية الأرثوذكسية ولا تتماشى مع معايير المجتمع التقليدي. يقول هذا الشخص الحقيقة، مع أن كلامه قد لا يبدو منطقياً بنظر الآخرين. هو يتعثّر في الحياة ويختبر نجاحات مرادفة للإخفاقات أو يتعرّض لخسائر مرادفة للنجاحات. قد يكون هذا الشخص نبيّاً، فيتّكل على حدسه لرؤية حقيقة العالم أو توقّع مستقبله، فيما ينشغل الآخرون بالشؤون الدنيوية. قد تبدو مظاهر الحكمة مشابهة للحماقة في البداية، أو تظهر معالم الحماقة في بداية المسيرة الحكيمة.

طرح الفراغ الذي تركه غورباتشوف وراءه، حين اضطرّ للتقاعد في العام 1991، مشاكل كبرى على روسيا والغرب في آن. اعتبر بوتين ذلك الفراغ خسارة لروسيا، وهو يُعبّر عن آراء شريحة واسعة من الروس في هذا المجال. برأي بوتين، يجب أن تسترجع روسيا كل ما خسرته عن طريق القوة العسكرية عند الحاجة. أطلق بوتين شكلاً من حروب الخلافة السوفياتية في جورجيا، في العام 2008، ثم في أوكرانيا في العام 2014، بعد أقل من عقدَين على انهيار الاتحاد السوفياتي. في الغرب، اعتُبِر الفراغ الذي خلّفه غورباتشوف مكسباً للمعسكر الغربي، ثم أكد نشوء مجموعة من الدول المستقلة في العام 1991 هذه الفرضية. لكن لو اكتشف الغرب هندسة أمنية عملية لأوروبا خلال التسعينات، ولو فهم حقيقة الفراغ الذي تركه غورباتشوف حينها، ما كانت الحرب لتندلع في أوكرانيا اليوم. سارع الناتو والاتحاد الأوروبي إلى ملء جزء كبير من ذلك الفراغ، لكنهما لم يملآه بالكامل، فنشأت حرب باردة جديدة في الفجوات التي عجزا عن سدّها.

يُفترض ألا تطغى الانتقادات التي تستهدف أداء غورباتشوف كرجل دولة على الإعجاب الذي يستحقه كإنسان عادي. هو لم يكن "مقدّساً" طبعاً، لكنه لم يكن أحمق بأي شكل. وهو لم يكن شريراً، رغم الازدراء الذي يحمله عدد كبير من الروس تجاهه. في هذا السياق، قال الأمير هاملت عن والده الراحل: "لقد كان إنساناً بجميع الصفات البشرية".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.