لا شكّ أن الحدث اللبناني سيطر على معظم الوسائل الاعلامية المحلية والعالمية نتيجة ضخامة الحدث الذي انطلق منذ 17 تشرين الأول وما زال مستمراً حتى الآن.
لم يكن الحراك اللبناني متواجداً على أجندة الدول والجمعيات والاتجاهات، نتيجة لعدم حسابهم لتحركات الشعوب والاعتماد عليها ودعمها في شق طريقها. فمنذ اليوم الأول للحدث كان الإعلام مواكباً للأحداث الجديدة التي تعصف بلبنان والتي أدهشت العالم نتيجة التظاهرات التي سادت المناطق اللبنانية ومشاركة الشرائح المختلفة في الحراك.
فالإعلام الذي واكب الحدث كان بعيداً كل البعد من المشاركة في الحدث اللبناني نتيجة ارتباط مؤسسات إعلامية بالمصالح الطائفية والمالية للسلطة الحالية، ما دفع هذا الاعلام وتحديداً محطات التلفزة التي هالها ذلك، مباشرة عملها وتغطيتها الميدانية للأحداث.
ومن هنا ساهمت التطورات والأحداث على مختلف أنواعها، معطوفة على التطور الكبير الحاصل في مجالات الإعلام والاتصالات في تطوير وتوسيع دور المراسل الصحافي والمهام الملقاة على عاتقه، وازدادت معها المسؤوليات المترتبة عليه، ما أدى أيضاً الى تغيير جذري في المواصفات المطلوبة في الشخص المفترض تأديته لهذه المهمة، إن لناحية الدراسة أو الخبرة أو الثقافة المطلوبة، كما بات التخصص في نوعية المهام والتغطية ضرورياً، وأصبح المراسلون أنواعاً واختصاصات، كانت الحاجة حيناً، دافعاً وموجهاً نحوها، والأداء والتميز حيناً آخر.
لذلك يكمن عمل الاعلام المرئي في تغطية النقل المباشر للحدث، ومتابعة المعلومة لأن الاعلام، عين المواطن المباشرة المعتمدة الذي من حقه الوصول للمعلومة، عليه أن ينقلها بشفافية ومصداقية ودقة.
على المراسل اللبناني أن يعتاد على تغطية ضخمة كحال الحدث اللبناني كي يتم اثبات قدراته المهنية والاعلامية، وبخاصة المراسل الميداني في ضبط الحدث ونقله بطريقة مهنية، لعرض رأي الناس بطريقة متوازية تظهر الصورة للجميع بنفس المستوى.
لأن مهمة المراسل لا تقتضي على إظهار صوت المؤسسة ورأيها الخاص بل تكمن مهمته في نقل صوت الشارع، وليست مهمته العمل كباحث استقصائي أو مخبر كي يرضي صاحب المؤسسة، ولا يمكن ان تقوم مهمته على ان يكون المحلل والناقل والموجه للمعلومة، لأنه ليس صانع الحدث بل هو ناقل الحدث كما هو من دون تضخيمه أو تقزيمه.
لا يمكن للمؤسسات الاعلامية أن تشغل نفسها ومراسليها بأسئلة تطرحها السلطة على المواطنين ويجب الحصول عليها من المواطن، مثلاً: من اين يأتي التموين والاكل والشراب والاموال للمتظاهرين، فهذه المهمة هي مهمة الدولة ورجال الامن وليس مهمة الاعلام.
بالإضافة الى تحول المراسلين الى ضيوف يناقشون طبيعة الاحداث ويمارسون التحليل السياسي والامني والقانوني، في عملية لإعطاء رأيهم الشخصي بالأحداث التي تحاول المؤسسة دفعهم لقبول التحرك أو الاعتراض عليه، تحت عنوان المراسل شاهد بعيونه الاحداث.
فالمراسل التلفزيوني، مهنياً، "هو الشخص الذي يقوم بإعداد تقارير إخبارية عبر التلفزيون، والذي يتمثل دوره في نقل الحقيقة للمشاهدين بالصوت والصورة، في قالب يميزه الصدق والإخلاص والموضوعية".
أما وظيفياً فهو "الشخص الذي يُكلف بتغطية حدث من أحداث الساعة من قبل القناة التي يعمل لمصلحتها، والذي يمدها بتفاصيل الأحداث في الخارج كونه الأقرب لمكان وقوع الحدث".
ومعرفياً يمكن القول بأنه "الشخص الذي لا بد أن تتوفر لديه ثقافة واسعة ومستوى دراسي، والذي لا بد أن يكون قادراً على التحدث بلغة المكان القاطن فيه، والذي يقوم بتغطية أحداثه، ما يساعده في التعامل مع المصادر والحصول على أكبر قدر من المعلومات.
فالسلطة منذ يومها الاول تحاول إفراغ الحراك من مضمونه الحقيقي كي تنقض عليه من خلال ثغراث الضعف التي لم تجدها، ربما الاعلام يحاول ان يساعد بطريقة غير مباشرة من خلال جولات بعض مراسليه لتحريض الناس على الحراك وضرب الثورة، من خلال إقناع الناس بالأحداث التي تعصف بالبدء من خلال الفراغ وعدم اعطاء الفرصة للسلطة بأخذ دورها بمعالجة الامور. فإذا نظرنا للمحطات في تعاطيها مع حوادث الانتحار التي باتت تسيطر على الشارع، فكأنها تملأ الهواء من خلال دفع المواطنين الى الحديث عن هذه الحوادث، نتيجة التظاهر وعدم قدرة الدولة لبسط قدرتها على الحالة واعطاء الحلول، وكأنهم يحاولون ضرب الحراك بطريقة غير مباشرة.
*كاتب وباحث لبناني