تزداد الدراسات التي تُشدد على أهمية المساحات الخضراء لإطالة العمر. ويكشف بحث جديد الآن ميزة مهمة تُضاف إلى الأدلة المتزايدة: يبدو أن شكل الحديقة يؤثر أيضاً في تجنّب مخاطر الوفاة!نشرت مجلة "ميديكل نيوز توداي" تقريراً جديداً عن أدق تحليل حتى الآن حول الرابط بين المساحات الخضراء ومعدل الوفيات. شملت المراجعة الأخيرة تسع دراسات طولية وغطّت سبعة بلدان و8 ملايين نسمة وتابعت المشاركين فيها لفترة وصلت إلى 22 سنة، فاستنتجت أن المساحات الخضراء في المدن قد تطيل عمر السكان المحيطين بها.
تبرز منافع أخرى للإقامة بالقرب من مساحات خضراء، منها تحسّن الحالة النفسية وصحة مكوّنات الجراثيم المعوية وتراجع نوبات الجوع غير الصحية. لكن ما أهمية شكل الحدائق لتجنب الوفاة المبكرة؟إنه السؤال الذي طرحه الدكتور هواكينغ وانغ، باحث في العلوم الحضرية والإقليمية في جامعة "تكساس إي أند إم"، فحاول اكتشاف الجواب بالتعاون مع لو تاسيناري، أستاذة في التصوير في المعهد نفسه.
لتوضيح الدافع وراء الدراسة، يقول الباحثان: "تتمحور معظم الدراسات التي تُحلل آثار البيئات الطبيعية على الصحة البشرية حول حجم المساحات الخضراء في المجتمع. لكننا اكتشفنا أن شكل المساحة الخضراء له دور مهم في هذا الرابط أيضاً". نُشِرت نتائج البحث في مجلة "ذي لانسيت" لصحة الكوكب.
أجرى العلماء تحليلات إحصائية مستعرضة لمساحة أرض في فيلادلفيا عبر استعمال صور عالية الدقة من "قاعدة بيانات بنسلفانيا المكانية". فاحتسبوا درجة خَضار المساحة المستهدفة وطريقة تقسيمها وترابطها وتجميعها وشكلها عبر "نظام المعلومات الجغـرافي" وبرامـــج تحليل الأنماط المكانية.
ولمراجعة معدلات الوفيات، حلل العلماء حالات وفاة مرتبطة بأسباب محددة، كتلك الناجمــة عن أمراض القلب والأمراض التنفسية والأورام، فضلاً عن حالات الوفاة لأي سبب. ثم حللوا الرابط بين القياسات المكانية التي احتسبوها من جهة ومعدل الوفيات من جهة أخرى. كذلك، أخذوا عوامل مؤثرة أخرى بالاعتبار، على غرار الموقع الجغرافي والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
كجزءٍ من الدراسة، حلل الباحثون أيضاً 369 "مساحة إحصائية": إنها مناطق جغرافية صغيرة ويصل عدد السكان فيها إلى 8 آلاف نسمة.على مر العام 2006، سُجلت 14700 حالة وفاة في فيلادلفيا. قد يكون هذا الرقم صغيراً، لكن اكتشف الباحثون رابطاً مهماً من الناحية الإحصائية بين شكل المساحات الخضراء وخطر الوفاة، واستنتجوا أن المساحات التي تتسم بأشكال غير منظّمة ترتبط بتراجع خطر الوفاة، مقارنةً بالحدائق المربّعة. لم يبرز أي رابط بين أشكال محددة وانخفاض الوفيات، لكن تراجع خطر الوفاة كلما زاد الشكل تعقيداً.
يوضح وانغ وتاسيناري: "برز رابط بين المساحات الخضراء الأكثر ترابطاً وتماسكاً وتعقيداً من حيث الشكل وتراجع حالات الوفاة لأي سبب أو لأسباب محددة. لا يعكس حجم المساحة الخضراء وحده تغيرات بارزة على مستوى النتائج الصحية محلياً، لذا يجب أن يراعي التخطيط الصحي القائم على البيئة شكل المساحة الخضراء وتركيبتها ووظيفتها. تكشف نتائجنا أن ربط الحدائق القائمة بمساحات خضراء أخرى أو إضافة حدائق مترابطة جديدة قد يكونان جزءاً من استراتيجيات ذات ميزانية مقبولة لتحسين الصحة.
تثبت دراستنا أن درجة تعقيد شكل الحديقة ترتبط بتراجع خطر الوفاة. يمكن نَسب هذا الرابط إلى زيادة نقاط الوصول التي توفرها المساحة الخضراء ذات الشكل المعقد. لا بد من إجراء أبحاث إضافية طبعاً لتوضيح الآليات الكامنة وراء هذه الروابط. لكن تُقرّبنا هذه النتائج من فهم الآليات المرتبطة بالآثار الواقية للمساحات الخضراء على حالات الوفاة".