جاد حداد

Dark Waters... فساد المؤسسات تحت المجهر!

5 دقائق للقراءة

في Dark Waters (مياه الظلام)، يؤدي مارك روفالو دور محامٍ يحاول معاقبة شركة "دوبون" الكيماوية على خلفية إلقاء نفايات سامة في فرجينيا الغربية. إنه فيلم عن بطل واحد ضد نظام فاسد، بما يشبه The Insider (المُطّلع) وA Civil Action (حركة مدنية) و The Verdict(الحكم). يتبنى المخرج تود هاينز (من أعماله Carol وMildred Pierce) هذا الخط السينمائي ويكشف للمشاهدين إلى أي حد تكون هذه المغامرات طويلة وشاقة ومُنهِكة من الناحية الروحية، حتى أنه يُحوّل أكثر الممثلين جاذبية في الفيلم إلى شخصيات واقعية تشبه بقية الناس وتبدو مرهقة من الواقع الذي تعيشه.

يجسّد روفالو شخصية المحامي "روبرت بيلوت" من "سينسيناتي"، أوهايو. هو يعمل في شركة "تافت ستيتينيوس أند هوليستر" التي تمثّل مؤسسات كبرى، منها "دوبون"، واحدة من أهم شركات تصنيع المواد الكيماوية في العالم. يقرر "بيلوت"، بفضل علاقاته الشخصية ورغم معارضة زملائه، أن يساعد مزارعاً بسيطاً من "باركرسبيرغ" في فرجينيا الغربية، اسمه "ويلبور تينانت" (بيل كامب الذي يشبه بحاجبَيه الكثيفين بو بريدجز من بعيد). بدأت أبقار "ويلبور" تمرض وتُجَنّ وتنفق بمعدلات مقلقة، وهو مقتنع بأن السبب يتعلق بإقدام شركة "دوبون" على تسميم إمدادات المياه المجاورة. هو محق طبعاً، لكنّ إثبات هذه التهمة لن يكون سهلاً، ومن الأصعب أيضاً التأكيد على وجود جرم متعمّد يجبر الشركة على تنظيف المكان ودفع التعويضات.في المرحلة اللاحقة، تبدأ تحقيقات محورها محامٍ شاب لطيف. يجسّد روفالو دور "روبرت بيلوت" بطريقة مقنعة، فيبدو أشبه بنسخة بشرية من الشخصية الكرتونية "دروبي دوغ" التي هزمت خصومها الأكثر ذكاءً وتقلّباً بفضل هدوئها وثباتها وتهذيبها والظهور في أماكن لا يتوقعها الأعداء. يستعمل المخرج هاينز لقطات عريضة لتسليط الضوء على قامة روفالو القصيرة مقارنةً بشركائه طويلي القامة من أمثال تيم روبنز (بدور رب عمل "بيلوت"، "توم تيرب"). تثبت لغة الجسد المتحفظة التي يستعملها الممثل في دوره أن هذا الرجل الذكي وصاحب الأخلاق الحميدة يتفوق على غيره مالياً وسياسياً وحتى علمياً حين يحاول إثبات مسؤولية "دوبون" عن رمي نفايات سامة في تربة فرجينيا الغربية، ما يؤدي إلى انتشار السرطان وإصابة الحيوانات بالأمراض وتسوس أسنان البشر والحيوانات على حد سواء.يعرف رواد السينما الذين يواكبون الأخبار البيئية أن مشاكل المزارعين مدخل لنقاش أوسع حول حمض البيرفلوروكتان، وهو منتج ثانوي لواحد من أكثر المنتجات المربحة في شركة "دوبون" بعد حقبة الحرب: التفلون. يُمهّد هذا النقاش بدوره للتعمق في تحليل مواد كيماوية سامة تنتشر عبر إمدادات المياه وتدخل إلى أجسام البشر وتبقى فيها.

هذه المعلومة الأخيرة هي التي تعطي الفيلم جانباً قاتماً، فتُذكّرنا بأفلام التشويق المريبة التي كانت شائعة في فترة السبعينات، على غرار The Parallax View (اختلاف المنظر) وChinatown (الحي الصيني). في هذا النوع من الأفلام، نعرف منذ البداية أننا سنشاهد قصة عن تدهور الأوضاع بسبب نفوذ الشركات الذي يطغى على الحكومات والاقتصاد. لكن يبقى مستوى الفساد صادماً ويسلّط الضوء على السؤال الضمني التالي: ما نفع القتال إذا كان فوز الأشرار حتمياً؟ الجواب البديهي هو الآتي: يجب أن نقاتل لأنه سلوك صائب، وحتى لو كانت الوعود بتحقيق العدالة بعيدة المنال، سيكون الكشف عن حجم الفساد في النظام القائم شكلاً غير مباشر من الخدمات العامة.

Dark Waters من كتابة ماريو كوريا وماثيو مايكل كارناهان (من أعماله Lions for Lambs (أسود للحملان) وشارك روفالو، الناشط البيئي، في إنتاجه. لا يتخلى الفيلم بالكامل عن التركيبة النموذجية التي تطغى على هذه الأعمال، حتى الأفضل بينها. لا يتّضح هذا الجانب في إيقاع سرد القصة فحسب (تحصل معظم التحولات حين نتوقع حدوثها)، بل في طريقة تجسيد علاقة "بيلوت" بزوجته الداعمة لكن المتعَبة "سارة" (آن هاثاواي). تَلِد "سارة" طفلَين على مر القصة التي تمتد أحداثها على أكثر من 12 سنة، وتبدي قلقها من العيوب الخلقية التي تُسببها شركة "دوبون" طوال الوقت. لكن يقتصر دورها على تقديم النصائح، لذا يبدو الفيلم غير مقنع بأي شكل حين تعلن "سارة" أنها لا تكتفي بأداء دور "الزوجة" في قصة الرجل البطل!

مع ذلك، يبقى الفيلم قوياً ويشكّل، ولو ضمناً، نموذجاً ناجحاً عن هذا النوع السينمائي الذي بدأ يتلاشى، فيعكس مشاعر اليأس الراهنة تجاه الفساد الفاضح الذي نشاهده يومياً في الولايات المتحدة وفي أنحاء العالم. قد لا يبدو هاينز من نوع المخرجين المناسبين لهذه المشاريع للوهلة الأولى. لكنه يجيد تصوير المشاهد وسرد القصة بطريقة مؤثرة ويبرع بكل وضوح في إدارة الممثلين (يؤدي فيكتور غاربر دور المدير التنفيذي في "دوبون" بشكلٍ مثالي، فيقدم نموذجاً دقيقاً عن الرجل الغني المتعجرف). يجيد السيناريو إظهار بطل القصة وهو يبذل الجهود اللازمة لتحقيق أهدافه، فيجلس وحده على أرض غرفة تخزين ويراجع مئات الصناديق التي تشمل وثائق مليئة بالأدلة، أو يعيد قراءة رسالة "دوبون" بحذر إلى أن يدرك أنها لا تحتوي على المعلومات التي يعرفها الجميع.

رغم الأجواء الهادئة والجوانب الفكاهية، تبقى نبرة هذا الفيلم غاضبة، وهو منحىً صائب. سيُسَرّ المشاهدون حين يصبح روفالو، على طريقة جيمي ستيوارت أو توم هانكس، ذلك الرجل العادي المثالي الذي يحارب شرور العالم ويفسّر في الوقت نفسه أسباب انتشار تلك الشرور وكيفية محاربتها بأبسط الطرق لكن بأعلى التكاليف.