يعتبر أسعد شفتري أن عملية جهاز الأمن للسيطرة على منطقة المتن الشمالي، معقل الرئيس أمين الجميل، كانت غلطة وتمّت بناءً على طلب من دمشق وأدّت عمليًا إلى نجاح انتفاضة 15 كانون الثاني 1986 التي أسقطت الاتفاق الثلاثي وأخرجته مع حبيقة والتابعين له من المناطق الشرقية. شفتري يكشف عن علاقتهم المتمادية مع ميشال عون الذي كتب النصّ العسكري في الاتفاق الثلاثي، وسهّل عملية اختراق الأشرفية في 27 أيلول 1986 من خلال تحييد الجيش. ويكشف أيضًا أسرار لقاءاته هو وحبيقة مع عون قبل عملية 13 تشرين 1990 وإبلاغه بساعة موعدها وبأمر العمليات السوري، ولكنّه لم يصدّق. شفتري يروي أيضّا أن سمير جعجع طلب منه أن يبقى في جهاز الأمن في "القوّات" ولكنّه فضّل أن يترك ويبقى مع حبيقة في مسار كان مقدّرًا له أن ينتهي بخيبات كثيرة.
- أنتم أخطأتم عندما قمتم في 13 كانون الثاني 1986 بعملية عسكرية على المتن سهّلت عملية 15 كانون.
صحيح. هذه كانت غلطة.
- كانت غلطة لماذا؟
أنا كنت ضدّها. بعض منّا في تركيبتنا كانوا ضدّها أيضًا لأنّها في الآخر كانت لا رح تقدّم ولا رح تأخّر. ما كان مطلوب منها شي. إنّما شخصية لبنانية كانت تزور سوريا وقالوا له جايي لعندنا الشيخ أمين في 13 كانون الثاني بدّنا ياه بس يوصل لعندنا يوصل ضعيف. بدّكم تعملوا عملية. أنا اقترحت نعمل عملية خلفنا لنحمي خلفيتنا. خلفنا كانت الكرنتينا. اقترحت أن ننظف الكرنتينا من كل الذين كانت أجواؤهم ضدنا.
- سمير جعجع؟
سمير وغير مراكز. ولكن حصل إلحاح أنّ المطلوب إضعاف أمين الجميل وحصلت العملية الخنفشارية التي كانت بلا طعمة وما كان لها معنى وقُتِل فيها ناس من هنا ومن هناك وما خصّها بأي شيء متل اللي عم يضرب سكاكين بحالو.
- ميشال عون كان وضع نصّ التصوّر العسكري للاتفاق الثلاثي؟
نعم انشغل معه بالتفاصيل وهو كتب النصّ النهائي الذي أُخذ وأُسقط في قلب الاتفاق.
- هذه العلاقة مع إيلي حبيقة كانت أساسية في إخراجه وإخراجكم من مقرّ الأمن؟
لا ننسى أنّ إبن الوزير ميشال المر، الياس، كان معنا عندما حصل الهجوم. ويوم العملية طلع ميشال المر وقعد بالمكتب عند قائد الجيش (ميشال عون) حتى يضمن ما يصيبنا شي.
- كم كان معكم من الوقت لإخلاء مبنى الأمن والانتقال إلى وزارة الدفاع؟
مش نحنا أخلينا. تحاصرنا وسقط العديد من القتلى الذين كانوا يدافعون عنّا عند نقطة الـ ROUGE ET NOIR، وغيرها. كان إيلي حبيقة قادر يعمل معركة طويلة. رفض. اعتبر أن اتفاق سلام ما بيكمّل بالدم. أنا ما بقا بدّي أعملو. يعملوا اللي بدّهم ياه. ما بقا بدّي. هذا ما قاله لي مباشرة أمام آخرين. أنا دمّ ما بدي. هذا كان موقفه. أحيانًا ينظر إليه الناس أنّه كان دمويًا ولكن في تلك المرحلة أنقذ أرواحًا كثيرة لأنّه ما عمل معركة. مثل موقف فؤاد أبو ناضر في انتفاضة 12 آذار.
- صارت المعركة ولكنّه لم يكمل للآخر. طلعتم على وزارة الدفاع. كان لازم تروحوا على فرنسا أو ترجعوا على سوريا؟ من أخذ القرار بالعودة إلى دمشق؟
إيلي حبيقة وزوجتي وزوجته وبيت المرّ راحوا على فرنسا. أنا كُلِّفت أطلع على وزارة الدفاع وأبقى فيها حتى ننهي أمور الشباب الذين كانوا معنا والكوادر الأساسيين ونؤمّن لهم جوازات سفر وأموال حتى نقدر نسفّرهم.
- في هذا الوقت نزلت وقابلت سمير جعجع؟
نعم بطلب منه.
- عرض عليك أن تبقى؟
طلع كريم بقرادوني لعندي. قال لي سمير بدّو يشوفك. بتنزل؟ نزلت لشوف شو بدّو. الجلسة كانت رايقة بس كنت ماسك رمانة يدوية فاتحها وحاطتها بجيبتي الشمال، كنت لابس جاكيت جلد أسود، ونزلت مع كريم بقرادوني لعنده. حكينا بالعملية وببعض المعلومات عمّا دار فيها وسأل عن أشخاص معنا. ثم قال لي: بدي ياك تبقى معي. ما حدا بيقرّب صوبك. بتبقى بجهاز الأمن الخارجي. قلت له: ما بقدر. أنا مع إيلي حبيقة وشريك بفكرة صناعة السلام وأنت ضدّها. ورجعت على وزارة الدفاع.
- في الانتقال إلى العلاقة مع سوريا هل ضحّيتم بمخبرين كانوا يعملون معكم؟ طلب منكم النظام السوري معلومات أمنية؟
في الحقيقة طلعنا وإيدنا على قلبنا. كنّا في محلّ وصرنا في محلّ آخر. أنت قلت إنّنا انتقلنا من إسرائيل إلى سوريا. لا انتقلنا من إسرائيل ولا رحنا على سوريا. كنا مضطرّين أن يكون لنا علاقة مع الإسرائيليين وبعد ذلك اضطرّنا الظرف أن تكون عندنا علاقة مع السوريين. إنّما في تفكيرنا أنّ كل ذلك كان لمصلحتنا كمسيحيين في لبنان في ذلك الوقت. طلعنا على سوريا وكنت أعتبر أن المسألة مش راكبة خصوصًا أنّ كلّ واحد منّا عنده ماضٍ معيّن مع السوريين عدا تعاملنا مع الشياطين ضدّهم. بتعرف؟ قعدت شي 6 أشهر هناك. إيلي حبيقة بقي كل الوقت. كنا في زحلة وكانت تحت السيطرة السورية. ولا مرّة سُئِل أيّ واحد منّا أيّ شيء عن الماضي. يبدو أنّه كانت هناك تعليمات من الرئيس حافظ الأسد حول هذا الأمر. كأنّه كان عندهم بروتوكول معيّن أرادوا أن يطبّقوه معنا وهو ما بدّنا نحشر هالجماعة. بمحلّ معيّن خلّينا نشتغل على الجديد الذي بني وما نرجع للماضي.
- تجربة زحلة حكيت عنها بأنّها كانت سيئة لكم. الناس لم يتقبّلوا وجودكم. ألم تأخذوا عبرة من العلاقة مع أهل زحلة بأنّكم كنتم في المحل الغلط؟
مش بس ولاد زحلة. ولاد زحلة هم ولاد بيروت. مربوطين عضويًا. إعلام "القوات" وسمير جعجع وكريم بقرادوني ضخّ اتهامات ضدّنا وصوّرنا أنّنا عملاء للنظام السوري. عملوا إيلي حبيقة قاتل بشير الجميل. ما خلّوا شي. ساعة يتّهموه قومي سوري. ساعة يعملوني شيوعي. ما خلّوا تشويه ما عملوه ضدّنا. كيف بدّك ولاد زحلة اللي كنّا نحن أبطالهم وقت حصار زحلة يتقبّلونا؟ بتعرف شو نحن عاملين لأهل زحلة وقت الحصار وشو مشغّلين مخبرين؟ وشو مفوّتين ذخيرة على زحلة؟ وأكل وشرب غير الذخيرة؟ شو محدّدين مواقع للسوريين بتشتغل عليهم مدفعيتنا؟ بين يوم وآخر تحوّلنا من أبطال عند المسيحيين، إن كان في جونيه أو زحلة، إلى خونة.
- كلّ ذلك لم يجعلكم تتوقّفون في محلّ معين؟ حتى جرّبتم أن تعودوا إلى الأشرفية في عملية 27 أيلول 1986. ختراق الأشرفية ما كان الهدف منه؟
الهدف كان عودتنا.
- إذا عدتم إلى الأشرفية تعودوا إلى المنطقة الشرقية؟
الفكرة كانت أن نرجع وين ما كان. كنّا ننسّق مع ناس كانوا مع الشيخ أمين وبـ"الكتائب"، وقسم كان معنا وبقي معنا وظلّ مختبئًا كان الاتفاق أن يشاركوا كلّهم معنا يوم الدخول في 27 أيلول. قسم منهم اختفى في غير مناطق. كنا متّكلين أنّ الجيش لن يتدخّل أبدًا ولا يقفل خطوط التماس.
- كان عاطيكم ضمانات ميشال عون؟
ما بدّي قول عاطي ضمانات. بس إنو إيه اعملوها وأنا ما "بفركشكم". طلع الشيخ أمين على وزارة الدفاع وقال لهم أنا قائد القوات المسلحة في لبنان أنا قائد الجيش أنا أعطي الأوامر. سكّروا خطوط التماس. رحمونا إنهم سكّروا شوي شوي حتى قدرنا ضهّرنا كلّ اللي كانوا فاتوا من قبلنا وضهر قسم زغير من غيرهم. بهالوقت كانت قامت مجموعات تابعة لنا في المناطق وكثيرون منهم اعتقلوا واختفوا.
- عدتم ودخلتم في 13 تشرين 1990
13 تشرين غير قصّة. قصّتها طويلة.
- في 13 تشرين كنتم تعتبرون أنّكم في المكان الصحّ؟
13 تشرين بالنسبة إلينا لم تكن قبع ميشال عون بل فوتتنا بسرعة حتى نحميه ونحمي أهلنا في هذه المناطق التي سيدخل إليها الجيش السوري. هذا كان هدفنا ونحن وضعنا لأنفسنا هذه المهمة.
- كان إيلي حبيقة أوصل معلومات للعماد عون أن العملية ستحصل وأنت أيضًا أوصلت إليه معلومات. لماذا لم يقبل عون تسليم السلطة؟
طبعًا. قلنا له أي ساعة. الساعة 7 إلا 10 بيمرق عدد معيّن من الطائرات.
- أوصلتم إليه أمر العمليات السوري؟
لم يكن مكتوبًا. كان شفهيًا وبالتفاصيل وفي محاولة لإقناعه حتى آخر لحظة. امشي وريِّحنا وريِّح الجيش.
- لماذا لم يمشِ؟
أعتقد كان يعتبر أنّ لديه ضمانات من الفرنسيين أنّهم ما بيفوتوا. ما بتصير العملية.
- صارت
نعم. ما صدّق إلا عندما مرق الطيران الساعة 7 إلا عشرة. كان بدأ الدخول السوري الساعة 6 الوحدات الخاصة بدأت تدخل عبر المحاور المختلفة إلى المناطق التي يسيطر عليها عون. 7 إلا عشرة صدّق وقال خلّينا نشوف شو بدّنا نعمل.
- شعرتم يومها أنّكم في عملية ثأر من 15 كانون؟
أبدا. يومها بكيت. لماذا؟ لأنّني عشت 15 سنة من حياتي دفاعًا عن هذه المنطقة. يومها شعرت أنّنا نحن كمسيحيين بيدينا عم نسقّط حالنا في لبنان وعم نكسر بعضنا عبثًا لأنّنا ما عم نعرف نقرا الأوضاع ولا عم نعرف نحمل بعضنا ولأنو ما في محبة بيننا.
لقراءة الجزء الأول من الحوار
لقراءة الجزء الثاني من الحوار
لقراءة الجزء الثالث من الحوار
لقراءة الجزء الرابع من الحوار
لقراءة الجزء الخامس من الحوار
يتبع الجمعة 14 آب:
قصة القطيعة مع حبيقة ورسالة الاعتذار
سرّ اغتيال حبيقة والحرب من أجل السلام