جاد حداد

The Catholic School... الذكورية وكراهية النساء تحت المجهر

20 أيلول 2022

02 : 01

تبدأ الأحداث الحقيقية التي اقتبس منها فيلم The Catholic School (المدرسة الكاثوليكية) قصته حين تسمع امرأة ضجّة من شقتها الواقعة في أحد أحياء روما الراقية، فيبدو لها وكأن أحداً يطلب المساعدة، ما يدفعها إلى الإتصال بالشرطة. سرعان ما يصل رجال الشرطة ويعثرون على فتاتَين مراهقتَين في صندوق سيارة من نوع "فيات 127". كان جسم كل واحدة منهما مشوّهاً بطريقة وحشية ومليئاً بالندوب. راحت دوناتيلا كولاسانتي (17 عاماً) ترتعش لكنها لا تزال على قيد الحياة. أما الفتاة الثانية، فهي روزاريا لوبيز (19 عاماً)، وقد وجدت ميتة عند العثور عليها. تقبض الشرطة على اثنين من المعتدين لكنّ الثالث ينجح في الهرب.

عُرِفت جريمة الإغتصاب والقتل هذه باسم "مذبحة سيرسيو" لاحقاً، وقد هزّت المجتمع الإيطالي كلّه. وقعت هذه الجريمة المريعة في العام 1975، وارتكبها ثلاثة شبان من المدرسة الثانوية الكاثوليكية المرموقة للفتيان، "سان ليون ماغنو". هي تؤكد مظاهر كراهية النساء والطبقية والفاشية الطاغية في البلد. يسرد إدواردو ألبيناتي هذه الحكاية المشينة في رواية The Catholic School من العام 2016. كان ألبيناتي تلميذاً في المدرسة نفسها، وقد استعمل تلك الجريمة لتسليط الضوء على البيئة السامة في المدرسة وتناقضاتها الراسخة. لكن في النسخة السينمائية من القصة، يحوّل المخرج الإيطالي ستيفانو مورديني رواية ألبيناتي إلى تجربة سينمائية متفاوتة المستوى ومزعجة أحياناً.

يبدأ الفيلم بمشهد قوي حيث يتدرّب الفتيان الوسيمون من تلك المدرسة الكاثوليكية بالقرب من حوض سباحة. إنها لقطة آسرة، وهي تنذر بقوة المؤثرات البصرية على مرّ الفيلم. يقوم "إيدو" (إيمانويل ماريا دي ستيفانو) بالتعليق الصوتي على الأحداث ويُعرّف عن الطلاب في تلك المؤسسة التعليمية الخاصة. كان الفيلم يستطيع الاكتفاء بالتركيز على المتّهمين الثلاثة، لكنه يفصّل حياة عدد آخر من الطلاب في تلك المدرسة، في محاولةٍ منه لتصوير العالم المحيط بهم.

"أربوس" (جوليو فوشيتي) هو أذكى طالب وأكثره تشكيكاً بالله والمدرسة ككل. هو يريد أن يهرب من تلك الأجواء عبر التخرّج في مرحلة مبكرة. يكره "أربوس" الناس، وتمنحه هذه الصفة أعلى مستويات الاحترام وتحميه من التنمّر وتفصله عن رفاقه في الصف. في المقابل، سنتعرّف إلى "جيوشينو" (أندريا لينتوزي)، وهو فتى هادئ نشأ في عائلة تقيّة. ثم يظهر "بيشاتيلو" (أليساندرو كانتايليني) الذي يطرح تهديداً على الآخرين وتقيم والدته الجذابة (جاسمين ترينكا) علاقة مع رفيقه، صاحب الشعبية الواسعة "ستيفانو جيرفي" (غويدو كواغليون).

أما الفتيان الذين يغتصبون "دوناتيلا" (بينيديتا بوركارولي) و"روزاريا" (فيديريكا تورشيتي) لاحقاً، فهم "أنجيلو" (لوكا فيرجوني) الذي يحمل نزعة مخيفة إلى العنف، و"أندريا" (جوليو برانو) الذي يتمتع بسمعة خطيرة تُحوّله إلى شخصية غامضة ومحترمة في المدرسة، و"جياني" (فرانشيسكو كافالو)، الفتى الهزيل الذي يتأثر بعلاقته المتوترة مع والده القوي، وسرعان ما تصبح هذه العلاقة من النقاط التي يُركّز عليها الفيلم. رغم فرق العمر والطباع بين هؤلاء الفتيان، تطغى عليهم جميعاً نزعة ذكورية ضمنية. تكون قناعاتهم وتصرفاتهم مجرّد محاولة لاستعراض فكرتهم عن معنى الرجولة الحقيقية. لا بد من التنويه بقوة الأداء الذي يقدّمه الممثلون وتأثيره الإيجابي على تماسك العمل.

يتعثر الفيلم عندما يغيّر مساره ويبدأ بالتركيز على "أنجيلو" و"أندريا" و"جياني". فجأةً، تبدو الشخصيات التي تعرّفنا إليها لفترة طويلة غير مؤثرة، وتُصعّب النقلات الزمنية العشوائية متابعة الأحداث بشكلٍ متسلسل ومفهوم. حتى أن الفيلم لا يوضح كامل الأسباب التي تدفع الفتيان إلى ارتكاب هذا العمل المشين. في مرحلة معينة، يبدو الفيلم منقسماً بين مشروعَين منفصلَين لا يجمع بينهما إلا تعليق "إيدو" الصوتي والمؤثرات البصرية المتقنة التي يستعملها مدير التصوير، لويجي مارتونوتشي.

تتعدد الطرق التي تسمح للفيلم بتحليل ذلك المجتمع نفسياً وإعادة سرد تلك القصة المريعة، لكن يجد السيناريو الذي تَشارك مورديني وماسيمو غوديوزو ولوكا إينفاسشيلي في كتابته صعوبة في تحقيق هذا الهدف. إذا أراد صانعو العمل التشديد على طريقة انهيار القيم المزعومة وسط هؤلاء الشبان المنتمين إلى الطبقة الوسطى العليا، كان من الأفضل أن يبدأوا الفيلم بعرض نهايته ثم يخصصوا لحظات إضافية لسرد ما حصل بعد العثور على الفتاتَين.

لا يتعامل الفيلم مع الشخصيات النسائية بطريقة منصفة، مع أن المرأة هي الضحية الحقيقية لقواعد المجتمع غير المعلنة وبنيته الشائكة. من الممتع أن نشاهد طريقة تعامل أمهات وشقيقات هؤلاء الطلاب مع المجتمع القمعي والذكوري بامتياز، لكن من المؤسف في المقابل ألا يُركّز العمل على "دوناتيلا" و"روزاريا" إلا في الفصل الثالث الذي يعرض فيه المخرج تفاصيل آليات التعذيب المستعملة ضد الفتاتَين. ونظراً إلى الأثر العميق الذي تركته هاتان الشخصيتان في المجتمع الإيطالي ككل (لا سيما "دوناتيلا" التي كرّست حياتها للنضال في سبيل العدالة)، يبدو إطار القصة في النسخة السينمائية سطحياً، حتى أنه يرسّخ أحياناً ظاهرة كراهية النساء التي أراد الفيلم تسليط الضوء عليها.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.