إقفال المصارف في صيدا احتجاجاً على اقتحامات مودعين بعضَها أرخى بظلاله على المدينة وقد عاشت يوماً عادياً خالياً من الإزدحام الذي اعتادت أن تشهده مع بداية كل أسبوع بخلاف الأسبوع الماضي، وغابت طوابير الانتظار عند مداخل المصارف وحلّت مكانها تساؤلات: ماذا بعد انتهاء الإقفال ثلاثة أيام، وما هي الإجراءات التي ستتّخذها المصارف لمنع اقتحامها وفي الوقت نفسه لإعطاء المودعين أموالهم المحتجزة؟
تساؤلات تدرس خلف الأبواب المغلقة داخل المصارف، البعض يتحدث عن إجراءات جديدة أشبه بالعقاب للمودعين، غير أن مسؤولاً مصرفياً أبلغ «نداء الوطن» أن الإدارات لم تحسم الخطوات التي ستقوم بها لحماية موظفيها ومنع اقتحامها مجدداً حتى الآن، وهي تدرس جملة تدابير منها:
- جعل كل السحوبات تتمّ عبر الصّراف الآلي والتي تواجه مشكلتين فيها: الأولى في تفعيل كل البطاقات بعد وقفها سابقاً أو عدم تجديد أصحابها لها، والثانية كيفية التعامل مع ما يتبقّى من الرواتب أي «الفراطة» التي لا يمكن سحبها مثل ثلاثة دولارات أو عشرة آلاف وغيرها.
- منع الدخول الجماعي وإدخال شخصين مداورة والانتظار خارجاً لحين انتهاء معاملتيهما.
- تعزيز الحماية والحراسة الذاتية وإخضاع الداخلين الى تفتيش روتيني.
- تواجد القوى الأمنية أو القيام بدوريات متتالية.
بالمقابل، يؤكد خبير مالي «أن الحل الوحيد للمشكلة ليس بالإجراءات الأمنية الإضافية أو التدابير الإحترازية او سواهما لانه يمكن خرقها في لحظة غفلة او سهو معينة، وإنما في القيام بإجراءات سريعة لطمأنة الزبائن - وهم الاغلبية، الذين تقل ودائعهم عن المئة ألف دولار أميركي والسماح بمباشرة سحب الدفعة الأولى منها ثم تنظيمها على مراحل، على أن يتم التوافق على التعامل مع باقي الودائع وفق سياسة نقدية عادلة سواء باقتطاع جزء منها أو حسم الفوائد منذ وجودها في المصارف أو غير ذلك».
وبانتظار الحسم، فإن إقفال المصارف زاد رتابة المشهد الصيداوي، خاصة مع بدء تنظيم الأسواق التجارية وإزالة المخالفات وإغلاق شارع «الشاكرية» الحيوي امام حركة السيارات وحصره بالمشاة فقط، تراجع الضجيج نسبياً، وانصرف الباعة الى أشغالهم لكسب قوتهم، يقف بلال طالب أمام مدخل محله، الذي يواظب منذ ثلاثين عاماً على افتتاحه، يعلق حقيبة وينادي على بضائعه من القرطاسية وأدوات التنظيف والمسابح والهدايا، ويقول لـ»نداء الوطن»: «عملت في الخليج وعدت الى صيدا منذ عقود وافتتحت هذا المحل وما زلت أكسب رزقي منه، لقد تراجع البيع بسبب الضائقة التي يعيشها الناس وترتيب سلم الأولويات، كنا نشتري البضائع بآلاف الدولارت ونبيعها سريعاً، الآن بالمئات فقط، وننتظر نفادها لنعيد الكرة، لقد تبدّل الحال ولكن للأسف نحو الأسوأ».
في أحياء صيدا الداخلية، تتواصل حركة الناس وتكاد لا تهدأ، يبتسم الحاج عبد الرحمن بديع وهو من الرعيل الأول من «الحلونجية» منذ 60 عاماً في حي باب السراي، يتذكر العصر الذهبي حين زار صيدا رؤساء ووزراء وفنانون وقصدوه لتذوّق حلوياته، منهم الرئيس الفرنسي الاسبق جاك شيراك، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة وسواهم، ويقول لـ»نداء الوطن»: «تراجع البيع كثيراً، ولكن ما زال الناس يقصدونني ولكن هذه المرة كي يتذوّقوا الحلو ويطردوا مرارة العيش الذي بات مثل العلقم».
وفي «حي الكنان» القريب، يتنهد «الحلونجي» أبو حسن الهبش وهو كذلك من الرعيل الأول، ويؤكد لـ»نداء الوطن»، مع بدء الأزمة أصبحنا أمام خيارين أحلاهما مرّ، إما تغيير نوع البضاعة بأقل جودة أو رفع الأسعار وقررنا الحفاظ على أصالة مهنتنا، فهي ليست مجرد وسيلة لكسب المال والعيش الكريم وإنما هي أيضاً إرث يجب الحفاظ عليه».
وحده الفتى ريان فتاحي، استلقى على ظهره عند شباك مسجد «الكيخيا» وقال «أدعو الله أن يرفع هذا البلاء والغلاء سريعاً قبل أن أكبر وأصبح عاطلاً عن العمل».