رفيق خوري

حكومة المافيا والإنفصام السياسي

21 أيلول 2022

02 : 00

الأزمة أفضل من الحل السيئ، كما تقول الحكمة التقليدية. لكن المافيا السياسية والمالية والميليشيوية المتسلطة علينا تعمل على توظيف الأزمة في خدمة مصالحها، كما على إستثمار الحل السيئ في مشاريعها الخاصة. وهي مطمئنة الى استمرار قدرتها وشطارتها في اللعب بلبنان والتلاعب باللبنانيين. وكما في الموازنة المتأخرة والمرفوضة، كذلك في قصة الحكومة المتأخرة والمفروضة: مجرد عناوين للسجلّ. فلا الموازنة موازنة، ولا الحكومة حكومة، ولا الرئاسة رئاسة، ولا البرلمان برلمان ولا السياسة سياسة.

ولن يتغيّر شيء في حكومة تصريف الأعمال إذا جرى إستيلادها من جديد بمراسيم جديدة وحصلت على ثقة المجلس، ولو تغيّر عدد من الوزراء. فهي، بصرف النظر عن صفات معيّنة لبعض أعضائها، حكومة المافيا بإمتياز. وهي النموذج الذي ينطبق عليه قول مارشال شولمان: "يؤتى بالرجال الجيدين من أجل سياسات سيئة".

كل ما فعلته، حتى لمسايرة صندوق النقد الدولي، هو تقديم مشاريع ملغومة تحت عنوان التعافي المالي والإقتصادي، لكنها عملياً من أجل "تعافي" المافيا وشطب أية مسؤولية لحاكم البنك المركزي وأصحاب المصارف ومدرائها عن أكبر عملية سطو على ودائع الناس. لا مساءلة لأي من هؤلاء، ولا للمسؤولين في السلطة عن إنفاق ما إقترضوه ومارسوا عبره الفساد، ولا للذين وافقوا في المجلس النيابي على القوانين التي فرضت تقديم القروض من ودائع الناس مقابل فوائد خيالية للمصارف. ولم يكن تعطيل القضاء نوعاً من القضاء والقدر.

ذلك أن بعض ما نعانيه هو نوع من "الإنفصام السياسي" على يد مسؤولين هم بين مصابين وبين من يتصرفون على أساس أنهم مصابون بمرض "إنفصام الشخصية". فلا علاقة بين ما يقوله هؤلاء في الخطاب اليومي وبين ما يفعلونه. وهم، حتى في موضوع ترسيم الحدود البحرية ينسون أنهم مسؤولون، ويكتفون بأن يأخذوا علماً عبر التلفزيون بأن السيد حسن نصرالله هو الذي يحدد ويقرر متى يبدأ "المشكل" مع إسرائيل ضمن تبادل التهديد بحرب لا يريدها أي من الطرفين.

لكن الفارق كبير بين حكومة لشهر يسبق إنتخاب رئيس للجمهورية ثم حكومة جديدة وبين حكومة مفصلة لإدارة شغور رئاسي مقرر سلفاً. الأولى لن يطالب أحد بتعديل التمثيل فيها، لأن المسألة لا تحرز. والثانية يجب أن تعكس التمثيل النيابي الذي خرج من صناديق الإقتراع في الإنتخابات، وإلا كنا على الطريق الى أزمة إضافية. وما يعكس التمثيل النيابي الجديد ليس إضافة ستة وزراء دولة الى حكومة تصريف الأعمال، فهذا يشبه ما جاء في مشروع "الإتفاق الثلاثي" الذي جعل الحكومة حكومتين عملياً: واحدة "سوبر حكومة" تقرر، وأخرى حكومة إدارية تعمل.

الحد الأدنى المطلوب كان العمل بقول المؤرخ نيال فيرغوسون: "العمل المصرفي ليس عمل آلهة، لكننا نستطيع أن نجعله أقل من عمل الشيطان".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.