د. نبيل خليفه

نحو بناء نظام لبنانيّ جديد: السياديّون وجماعة التغيير على المحك!

22 أيلول 2022

02 : 00

يمرّ النظام السياسيّ في لبنان بواحدة من أدقّ وأخطر مراحله التاريخيّة، ذلك أن مصير لبنان: الإنسان الدولة والكيان والنظام، مطروح على بساط البحث والمعالجة. فبعد سلسلة من التحوّلات والتبدلات الجذرية في نظامه وكيانه، يواجه لبنان استحقاقاً مفصلياً يتمثّل بانتخاب رئيس جديد للجمهورية. وفي حال الوصول الى انتخاب رئيس سياديّ جديد لوطن الأرز، يكون لبنان قد خطا خطوة مهمّة باتجاه رفع الهيمنة الايرانيّة عنه المتمثلة بسيطرة «حزب الله» وحلفائه على السلطة في لبنان بمختلف تلاوينها: السياسيّة والاقتصاديّة والعسكريّة والأمنيّة. إنّ الوصول الى مثل هذه النتيجة لن يكون ممكناً إلا إذا تضافرت القوى السيادية وفي مقدّمها القوى الجديدة الناشئة. قوى جماعة التغيير، فقد حصل التغييريّون على 13 مقعداً في انتخابات المجلس النيابي الأخيرة.

أمام هذا الواقع الصعب والمعقّد الذي يمرّ فيه الشعب اللبناني ويعاني منه، فإنّ الكل موضوع أمام الإمتحان في معركة «استرجاع الدولة»... إلا أن التغييريين هم الفئة الأكثر ارتباطاً وفعاليّة في بناء نظام لبنان الجديد لأسباب ذاتية وموضوعيّة. إنها الفرصة المناسبة والمتاحة لجماعة التغيير لتثبيت وجودها ودورها وفعاليتها في حياة لبنان العامة... بل أكثر في تحديد مصير لبنان المستقبل.

لماذا؟ وكيف؟

أولاً: في مفهوم التغيير.

لقد اختارت جماعة تشرين في لبنان أن تضع نفسها تحت تسمية، «التغييريين» وفي هذا تصنيف سياسي لها وخاصة بالنسبة للمواطنين اللبنانيين الآخرين: فالتغيير فيه معنى التحوّل والاختلاف:

1 - يقول إبن منظور في لسان العرب: غيّر الشيء: بدّله لأنه جعله غير ما كان. وتغايرت الأشياء: اختلفت.

2 - ويقول بطرس البستاني في «محيط المحيط»: غيّر الشيء تغييراً، جعله غير ما كان عليه بغير الاسم... وتغير الشيء تغيّراً = صار غير ما كان وتحوّل وتبدّل.

3 - وفي معجم هاشيت الفرنسي (Hachette)

Changes: fait de passes d’un état à un autre

وترجمته: تغيّر يعني حدث الانتقال من حالة الى أخرى. على أن الأمر ليس بهذه السهولة التي تطرحها التسمية... أي لفظة التغيير... والتغييريون... ذلك أن السؤال الجوهري الذي يستتبع مثل هذه التسمية هو: تغيير ماذا؟ وكيف؟ وأين؟ وهل هناك تفاهم واتفاق بين مختلف قوى التغيير على كافة الأمور التي ينبغي تغييرها: وعلى طرق تحقيق مثل هذا التغيير! إن في المفاهيم... أم في المؤسسات... أم في الأشخاص...

4 - إن التغييريين هم الأكثر حماساً واندفاعاً لإحداث التغيير المطلوب والمرغوب، وهم في الوقت عينه الأشدّ فعالية في تحقيق الإصلاح ولكن حماستهم تلك عادة ما تصطدم بتنوّع الآراء والاجتهادات كي لا نقول تناقضها. ومثل هذا الأمر يعود بشكل أساسي الى غياب ايديولوجية واحدة لدى هؤلاء التغييريين. إن العامل الايديولوجي هو العامل الحاسم في تكوين ورسم وتحديد فعالية الجماعة، أية جماعة تصبو الى تحقيق الشأن العام على يد الجماعة.

ثانياً: السياديّون... والتغيّيريون على المحك.

1 - إن ما ينتظر التغييريين هو انتصار محقق ماثل أمام الأعين في انتخابات رئاسة الجمهورية اللبنانية. فإذا صدق التغييريون، ومنهم جماعة السيادة وجمعوا واستجمعوا قوى الوطن في محاولة لاسترداد السيادة، فإنهم قادرون على تأمين أكثرية نيابية توصل الشخص المطلوب الى منصب رئاسة الجمهورية، على أن الوصول الى مثل هذا الهدف ليس أمراً سهلاً أبداً. إن فيه مطبّات وامتحانات صعبة ومعقّدة من أطراف عدّة تسعى لإبقاء لبنان رهينة للقوى الأجنبية. وهي مستعدة أن تفعل كل شيء وأي شيء، من إغراءات ماديّة وتهديدات أمنيّة، للحؤول دون قيام نظام لبناني سيّد حرّ وفاعل في محيطه وفي العالم.

2 - إن لبنان الشعب والدولة والكيان، موضوع على المحك إمّا أن يقوم فيه نظام جديد ويسترجع تاريخه البهيّ في الحريّة والسيادة والاستقلال كونه سويسرا الشرق وإمّا أن يكرّر تجربته المرّة مع سلطة مرتهنة وفاسدة تقضي على كل ما تبقى له من رصيد في تاريخ الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.

3 - إن ما يمرّ به لبنان حالياً هو امتحان لكل اللبنانيين وللتغييريين بشكل خاص. وعلى الجميع التحلّي بالوعي الجيو- سياسي لاستيعاب كافة مقومات المرحلة الحاضرة من حياتنا، وليس فقط ضمن المعطيات الداخلية، بل أيضاً وبشكل خاص، ضمن المعطيات الاقليميّة والدولية. ذلك ان عامل الوقت يضغط باتجاه فرض حلول ترفع يد ايران عن لبنان وتحدّ من تحكّم «حزب الله» بالوضعيّة اللبنانية! هناك قوى عالميّة تعمل في الخفاء وفي العلن لخدمة لبنان... وما القرار 2650 الذي أصدره مجلس الأمن في التجديد لليونيفيل، وقد تمّ بموافقة كل من الغرب وروسيا والصين وهذا أمر نادر في المنظمة الدولية، إلّا دليل على ذلك. إن هذا القرار هو إعلان سياسي عالمي بأن العالم كلّه ما عدا ايران وأتباعها، يقف الى جانب لبنان السيّد الحر المستقل. وما تقوم به السعودية مع فرنسا، هو سعي لإقفال هذا الباب تماماً بين الغرب وايران في موضوع لبنان.

****

يتجه لبنان نحو بناء نظام لبناني جديد يتجاوز فيه مطبّات الماضي الأسود. ويأمل الكثيرون، في الداخل والخارج أن يتمكّن الشعب اللبناني من تجاوز هذه المحنة وأن يختار لنفسه طريق الخلاص والتحرّر. ويعتمد اللبنانيون في هذا الاستحقاق، وبشكل خاص، على ما يمكن ان يقدّمه التغييريون من أبنائه الذين يحيون في الحلم الذي عاش فيه أجدادهم. إنه حلم العيش في رحاب الوطن.

ان الاتفاق على اسم رئيس هو خيار مصيريّ!

على الجميع أن يختاروا!

وهو اختيار محسوم في اتجاه واحد!

اتجاه الألفباء، والأرز، والحريّة!

(*) باحث في الفكر الجيو سياسي


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.