تيمور جنبلاط: لا زعامة في ظلّ زعامة

طوال فترة الأحداث الأخيرة في قبرشمون، اقتصر حضور النائب تيمور جنبلاط على تغريدة يتيمة على "تويتر"، انكفأ بعدها مكتفياً بالوقوف خلف أبيه. كثيرون سألوا عنه، لكن كيف لشخصية حضورها طاغ مثل رئيس "التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط، تهزّ الجبل بإشارة ولو عن بعد، أن يكون سهلاً تجاوز تأثيرها بالنسبة إلى الابن ا


منذ أن ألبس وليد جنبلاط العباءة لابنه تيمور قبل نحو عامين، لمس الجميع أن تيمور لم يكن يحبّذ خوض المعترك السياسي، لكنه خضع لإرادة الأمر الواقع، بعدما أبدى وليد بيك حرصاً على مواكبته لكي يتمرّس بالمهمة تباعاً. لكنه وجد نفسه أمام عبء وتقليد يخوض غمارهما للمرة الأولى، فلم يعتد عليهما بسهولة، خصوصاً حين تكون اللقاءات على النمط اللبناني وطلبات البعض "غريبة عجيبة".

الزعامة وهاجس جنبلاط

تشكل زعامة تيمور هاجساً لدى والده. "من حسن الأقدار" أنه ألبس عباءة الزعامة الجنبلاطية بنفسه إلى نجله، بعدما مات الزعماء الجنبلاطيون الذين سبقوه قتلاً، من بشير جنبلاط وصولاً الى والده "الشهيد المعلم" الذي اغتيل غدراً، ليلبسه يومذاك شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز محمد أبو شقرا عباءة ملطخة بالدم. أسئلة كثيرة طرحت في حينه حول قدرته على تولي المسؤولية. عاش وليد جنبلاط بعيداً من والده، لكنه اختلط مع الناس، جالسهم، شارك في التظاهرات والحركات الاحتجاجية. عاش شبابه وفق مزاجه متمرّداً على الأعراف والتقاليد، يقود دراجته النارية، منتفضاً على الحراس والمرافقين، لكنه رغم ذلك كان حاضراً لتسلّم الأمور خصوصاً أنه تمرّس بتأثير من والده على يد كبار السياسيين الذين عايش أزمنتهم. نتحدث هنا عن زمن سليمان فرنجية الجد، كميل شمعون، بيار الجميل، ريمون إده، المير مجيد أرسلان وأحمد وكامل الأسعد. اختلف الزمن وغاب الكبار من الخصوم والحلفاء معاً.

أثر الأب وسطوته

الوضع ليس مماثلاً بالنسبة إلى تيمور الذي يشعر والده بارتباكه. أوكل مهمة تدرّجه السياسي إلى فريق عمل مؤلف من الوزير وائل ابو فاعور وظافر ناصر، رجل الأعمال حسام حرب ابن رجا حرب قائد جيش التحرير الشعبي في "الاشتراكي" وغيرهم. كما يدرك جنبلاط الأب أنه في ظل وجوده وحضوره، من الصعب أن يشق الابن طريقه وتكون له حيثيته المستقلة. بين الفينة والأخرى يتقصد الانسحاب من المشهد إفساحاً في المجال أمام نجله ليطلق العنان لزعامته ممارسة وحضوراً. سافر مرة إلى لندن وابتعد 10 أيام متتالية، ولكنه بقي مهتماً عن بعد، بأصغر تفصيل في الطائفة وهمومها ومشاكلها.
في المقابل يعرف تيمور حدود زعامته في ظلّ أبيه، لكن هذا لا يعني عدم جهوزيته لتولي مقاليد المسؤوليات في المرحلة المقبلة. يتصالح الأب والابن مع هذه الفكرة ويتقاطعان عليها. الأب مقتنع بعدم إمكان تماثل الابن به. هو ذاته لم يكن مثل أبيه كمال جنبلاط. الظروف نفسها تغيرت ولو أن تيمور على المستوى الحزبي يواكب عمله باتقان ونجاح وهو حاضر دائماً في النشاطات الحزبية والشبابية.
يضاف إلى ذلك العلاقة الشخصية بين الرجلين، هي كعلاقة أي والد بولده، يختلفان ويتخاصمان وقد يمر شهر أو شهران قبل أن يتحدث أحدهما مع الآخر. علاقتهما غرام وخصام لها خصوصياتها.

شخصية تيمور

يجد تيمور جنبلاط نفسه واقعاً بين شخصيتين. شخصية جدّه بالهدوء والرصانة، بالإضافة إلى ثقافة تتّسع لأكثر من ثقافة ولغة أجنبية، وبراغماتية أبيه الخاصة، الواقعية وغير المحدّدة المعالم في آن، والتى صقلتها كثرة الأحداث اللبنانية وتعدد التحالفات ما جعل البيك الشاب يقف أمام شخصيتين تثقلان عليه المسير وتزيدان من حيرته وإرباكه. هذا عدا عن تغرّبه بين ثقافة يقرض الشعر بلغتها كالإنكليزية، على عكس إلمامه باللغة العربية، ما يجعله صامتاً غالباً عندما يجلس على مقعد أبيه في دارة المختارة، ملتزماً التقاليد والعادات التي يجيدها بنو معروف، مستمعاً إلى مطالب زوراه .
هذا الهدوء في زمن العواصف، يجعله محل تنبؤ وتحزّر عند الحليف والخصم. في ظلّ الأب الطاغي على المشهد السياسي في لبنان، لا مسؤوليات ملقاة على كاهله، لكن أي فعل يدفع إلى المقارنة بين الأب والابن وهي مقارنة خاسرة بالنسبة إلى الابن لاختلال توازنها الواضح وكأن الانتقال في الزعامة اللبنانية محكوم بقدرية الموت والحياة إذ لا زعامة في ظلّ زعامة، وهذه إشكالية التوريث التى لا يصعب على زعيم مثل "وليد بيك" إدراكها بسهولة ويسر، والتي بات يعرفها تيمور الذي كان لفترة طويلة يوحي بعدم الاكتراث لها أساساً.

الدولة المدنية

هدوؤه لم يمنع عارفيه من التأكيد أنه شخص يعيش في أفكاره وقيمه الخاصة. يكره التنظير "وصفصفة الحكي" ويميل إلى أن يكون أكثر عملانية. مباشر وصريح، يظهر على محياه مباشرة قبوله للآخر من عدمه. لم يكوّن بعد رؤية مكتملة المعالم في ما يتعلق بالحالة الدرزية التي يلتقي مع والده على التحرّر منها باتجاه الحالة الوطنية. يشغله الزواج المدني أكثر من الأوقاف ولديه تصوّره للدولة المدنية. ليس مهووساً بالمظاهر الأمنية والمواكبة، ويفضل لو يتم التعاطي معه بشكل طبيعي وتلقائي، يحب التفلّت من الواقع الذي يقيّده. برأي بعض المحيطين، ان انطلاقة تيمور غير مجهزة بعد، ومن المبكر الحديث عن تسلّمه مقاليد الزعامة "الأب لا يزال رئيساً، وكل القرارات يتخذها بنفسه ولو أشرك تيمور بها وشرحها له"، وهناك من يذهب أبعد قائلاً إنه "لو خيّر، لفضّل تيمور جنبلاط البقاء في فرنسا".
خضع لدورات تدريب في الخطابة ولم يستسغ فكرتها "يهمني الفعل وليس القول"، يقول. تلقى دروساً في التثقيف السياسي في معهد إعداد السياسيين في فرنسا وعلى يد فريق من المحازبين. والدته قريبة منه وحضرت حفل التنصيب لكنها غير مؤثرة بطبيعة الحال بسبب غلبة وجود الأب.

إطلالته الاعلامية

يتجنّب البيك الصغير الإعلام لوجود مشكلة لديه في التعبير باللغة العربية. يوم أطلّ في مقابلته الأولى مع مرسال غانم تحايل على ارتباكه اللغوي بالاكتفاء بالاجابة على معظم الاسئلة بنعم أو لا. أحياناً يتلافى المشكلة بتدوين أفكاره باللغة الانكليزية والنطق بها بالعربية، كما حصل عند زيارته رئيس مجلس النواب نبيه بري. قال لمرافقيه في طريق عودته الى المنزل "بكرا بتشوفو شو بدهم يحكوا عليي بالاعلام". أحد الحلول المطروحة اليوم الاستعانة بأستاذ للغة العربية.

الخصوم

ضعف تيمور يستغله خصومه إلى اقصى الحدود خدماتياً وسياسياً ومن خلال الحضور على الارض، باعتقادهم ان هذه اللحظة المناسبة للتضييق عليه .
على عاتق تيمور مسؤولية 400 سنة هو عمر المختارة. جدّة والده مي أرسلان وجدّته لابيه نظيرة جنبلاط، جدّه كمال جنبلاط، ووالده وليد جنبلاط. فكيف لشخصية ان تكون حرة طليقة وقد كتب عليها ان تتقمص اربع شخصيات في شخص واحد.
هي السلطة امتحانات مفتوحة بين امتحانين، يقول احد المحيطين بالمختارة،: امتحان الدخول وامتحان الخروج. امتحان الدخول صعب للشخص الجدي والذي يحترم نفسه، وامتحان الخروج هو الأصعب لأن من يمضي حياته في السلطة، يعرف كيف يدخل ولكن يجب أن يعرف كيف يخرج.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.