مايكل كيماج

تداعيات التعبئة العسكرية في روسيا

8 تشرين الأول 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

في الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "التعبئة الجزئية" التي تهدف إلى دعم حربه المتعثرة في أوكرانيا. بعد موقف بوتين، أعلن وزير الدفاع الروسي، سيرغي شويغو، عن استدعاء 300 ألف رجل ذوي خلفية عسكرية. لكن تذكر التقارير أن هذا العدد مختلف في الوثائق الرسمية التي تسمح بإعلان التعبئة، ولا تشمل الأجزاء المعلنة من مرسوم بوتين أي قيود تمنع وزارة الدفاع من استدعاء الناس إلى التجنيد. وبحسب تقارير أخرى، قد يصل عدد المجنّدين إلى مليون رجل، ويبدو أن جزءاً من المفوضيات العسكرية بدأ يستدعي الرجال عشوائياً منذ الآن.

يُعتبر هذا التجنيد الإجباري نقطة تحوّل جذري في الحرب وفي نظام بوتين. في الحدّ الأدنى، ستعيد التعبئة المستجدة إحياء الحياة السياسية في روسيا، فتنسف لامبالاة الرأي العام التي كانت أساسية لترسيخ النزعة "البوتينية". سبق وشهدت روسيا موجة احتجاجات رداً على إعلان بوتين في الأسبوع الماضي، وسارع عدد هائل من الروس المؤهلين للتجنيد إلى الحدود بعدما أعلن بوتين عن خطته العسكرية المرتقبة. من المتوقع أن تتصاعد الضغوط السياسية على الكرملين من جانب معارضي الحرب والمعسكر المُحبَط من قلة كفاءة الجيش وضعف إرادته. لا يملك الفريق الأول أي نفوذ سياسي، لكن يستطيع الفريق الثاني أن يوحّد صفوفه لتحدّي بوتين. في الأسبوع الماضي، عبّر عدد من أشرس مناصري بوتين وداعمي الحرب عن قلقه من سوء التخطيط لحملة التعبئة.

لتجنّب المخاطر المطروحة على سلطة بوتين وتهديدات المقاومة الواسعة، سيضطر الكرملين إلى قمع الشعب الروسي بصرامة تفوق ما فعله سابقاً. وفق مصادر "أو في دي إنفو"، منظمة روسية تُعنى بحقوق الإنسان، اعتُقِل أكثر من 2300 محتج على الحرب في أنحاء روسيا خلال الأيام الخمسة التي تلت إعلان التعبئة. لكن قد تتخذ حملة القمع منحىً فوضوياً، فتؤجج مشاعر السخط والاشمئزاز. سبق وأطلقت حملات القمع المكثفة، التي تتزامن مع تعبئة فوضوية، اضطرابات واسعة في أماكن معيّنة، وشمل بعضها إحراق مراكز التعبئة. قد تتكاثر هذه الحوادث وتجد الحكومة الروسية صعوبة في السيطرة عليها.

بدل أن يتوقع العالم اندلاع ثورة أو حصول انقلاب من داخل النظام، يجب أن يستعد للتعامل مع حرب مطوّلة في أوكرانيا. لن يكون القمع كافياً بالضرورة لتسريع التعبئة أو تبسيطها، لكنه سيحافظ على هدوء الشارع ويسمح لبوتين بمتابعة عدوانه.

يواجه بوتين اليوم ضغوطاً هائلة بسبب ضيق الوقت. هو يعجز عن الفوز في الحرب سريعاً، وقد لا يتمكن من تحقيق النصر يوماً. قد ينجح في مناوراته لتحقيق نتيجة مقبولة له ولبلده، لكن قد يمتد هذا المشروع على سنوات عدة. بالنسبة إلى الروس العاديين، سيكون الألم والخسارة والمعاناة عنوان هذه الفترة كلّها. لا مفرّ من أن تخنق الحرب متعة السلام. تميل الحروب الاختيارية عموماً إلى إضعاف حماسة الرأي العام، وقد يستفيد بوتين في هذه الحالة من دراسة تاريخ الحرب السوفياتية في أفغانستان. لم تكن تلك الحرب السبب الوحيد وراء سقوط الاتحاد السوفياتي، بل إن ضخامة الخسائر أجّجت مشاعر الاستياء حين شاهدت عائلات متزايدة عودة أبنائها في أكياس الجثث. كانت الحرب كفيلة بنسف شرعية الحكومة، فسرّعت سقوط الاتحاد السوفياتي تحت تأثير عوامل دافعة أخرى.

من المتوقع أن يزداد المشهد المحلي تعقيداً بالنسبة إلى بوتين بعد إعلان التعبئة. خاض هذا الأخير حروباً عدة خلال عهده الرئاسي، لكنه لم يكن رئيساً في زمن الحرب يوماً. سيضطر الآن لإجبار مئات آلاف الشبان على المشاركة في القتال، ولا مفرّ من أن تتداخل المشاكل المعنوية العامة في أوساط المجندين مع تراجع معنويات الجيش الروسي الموجود في أوكرانيا، فتنتج هذه الظروف نتائج سيئة على مستوى التنظيم والأداء وتترافق مع خسائر فادحة وتوسّع مشاعر الإرهاق.

على صعيد آخر، قد يضطر بوتين لحشد الرأي العام أيضاً. لن يتمكن الروس بعد الآن من البقاء على مسافة من الدولة، ما يعني أن يسمحوا لها بالإفلات من العقاب مقابل حماية خصوصيتهم. لقد خرق بوتين شروط صفقته مع الناس، فبات هؤلاء مضطرين للتعبير عن حماستهم تجاه الحرب. سيكون حشد الدعم للحرب وإحباط المعارضة جزءاً من مشاريع الحكومة. لن يتساهل الكرملين في أداء هذه المهمة، حتى أنه قد يختبر حُسن النوايا الإيديولوجية التي يطرحها بوتين. نتيجةً لذلك، يجب أن تحلّ محلّ العناصر التي تألفت منها الثقافة السياسية الروسية في عهد بوتين (خليط معقد من العوامل التي تعود إلى الحقبة السوفياتية وما بعد السوفيات، والحقبة الروسية الإمبريالية، والعصر الروسي الحديث) نزعةٌ شوفينية روسية صريحة وعلنية. في غضون ذلك، سيحاول عدد متزايد من الناس الهرب من البلد، فيقدمون الرشاوى لتجنب التجنيد الإجباري أو يحاولون الهرب من الجيش.

تتطلب التعبئة أيضاً كبح موجة الهجرة. من المتوقع أن تنغلق الحدود أمام المؤهلين للتجنيد قبل نهاية شهر أيلول، وسيبقى معارضو الحرب الروس وكل من ظن سابقاً أنه يستطيع تجاهل الحرب عالقين داخل البلد. قد تستعمل الحكومة التهديدات أو العنف لإجبارهم على التزام الصمت. وستضطر الحكومة المتوترة للتعامل مع قوة الاحتجاجات القابلة للاشتعال، رغم افتقارها إلى التنظيم. كذلك، قد يضطر الكرملين لفتح جبهات قمعية أخرى ضد الأوساط القومية التي بدأت تدعو إلى إعلان التعبئة منذ أشهر ولا يمكن تهدئتها إلا عبر تحقيق الانتصارات في ساحة المعركة، علماً أن التعبئة قد لا تضمن هذه النتيجة. يشمل معسكر المتعطشين للحرب شخصيات سياسية بارزة، وقد يضطر بوتين لقمع الاحتجاجات الشعبية وحركات المعارضة، وحتى الكوادر المستعدة للتفكير بتنحيته.

في هذه المرحلة، يعجز بوتين على الأرجح عن تحقيق نتيجة مقبولة في أوكرانيا. يبدو الجيش الأوكراني أقوى من أن تقرر الحكومة في كييف تقديم التنازلات لموسكو، حتى لو أبدت استعدادها للتفاوض بهدف إنهاء القتال. كانت الحرب وحشية بدرجة مفرطة على الأوكرانيين، لذا يصعب عليهم أن يسامحوا وينسوا ما حصل بسهولة.

لكن لن يتراجع بوتين بدوره، بل إنه سيبحث عن الطرق المناسبة لإطالة مدة الحرب، ولن يكون هذا الهدف مستحيلاً. تسمح له التعبئة باستدعاء جنود جدد إلى الحرب، أو حتى إطلاق اعتداءات مفاجئة. يمكنه أن يؤجل حينها أسوأ عواقب الحرب الكارثية، مع أن أي تعبئة غير منظّمة قد تزيد أعباء الجيش الروسي في نهاية المطاف. كلما طالت مدة الحرب، يزيد احتمال انهيار الاقتصاد في أوكرانيا أو حصول اضطرابات سياسية في أوروبا أو الولايات المتحدة، ما يمنح روسيا فرصاً جديدة. إنها استراتيجية قاتمة وغير مضمونة، لكنها تناسب قدرات روسيا.

يصعب على الأنظمة الاستبدادية أن تكثّف حملاتها القمعية بشكلٍ متهور. في مرحلة معينة، لا مفرّ من أن ينتج القمع المتزايد اضطرابات متوسّعة، وقد تندلع الثورة في مرحلة غير محددة أيضاً. لكن يبقى بوتين مطّلعاً على التاريخ الروسي، وهو يعرف أن الروس لا يميلون إلى إطلاق الثورات حين تملك الدولة النفوذ بل عندما تتخلى عن نفوذها. تنازل القيصر نيقولا الثاني عن العرش خلال الحرب العالمية الأولى بعد إطلاق حرب اختيارية ضد اليابان كانت كفيلة بإضعاف الإمبراطورية الروسية. ثم افتقرت الحكومة المؤقتة التي تلت عهده إلى التماسك أو الإرادة لكبح الثورة البلشفية. لهذا السبب، قد يكون الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف أبرز مثال يستفيد منه بوتين. لم ينكر غورباتشوف الطابع السوفياتي الرجعي، بل إنه اعترف بارتكاب بعض الأخطاء، وانسحب من أفغانستان، ومنح القوة لشعوب الاتحاد السوفياتي عبر مفاهيم مثل "غلاسنوست" (سياسة الانفتاح والشفافية في نشاطات المؤسسات الحكومية) و"بيريسترويكا" (برنامج إعادة الهيكلة لإصلاح الاقتصاد). لكن أدى تساهل الحزب الشيوعي إلى تسريع اندلاع ثورة غير دموية كانت كافية لإسقاط النظام. كان الاتحاد السوفياتي يفتقر إلى التماسك والإرادة لضمان صموده. لكن لن يرتكب بوتين الخطأ نفسه، بل إنه سيقتدي على الأرجح بشخصيات مثل القيصرَين نيقولا الأول وألكسندر الثالث، أو قادة سوفيات مثل جوزيف ستالين ونيكيتا خروتشوف وليونيد بريجنيف، فقد تمكن هؤلاء من قمع المعارضة محلياً، والحفاظ على ولاء أتباعهم، وتطبيق سياسات متشددة من دون السماح بتحوّل المعارضة إلى حركات مؤثرة.

أخيراً، يستطيع بوتين الاتكال على هندسة قمعية ضخمة. حرصت وسائل إعلام كثيرة على التعبير عن توجهات الحكومة في آخر عقدَين. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، أُغلِقت وسائل الإعلام غير الحكومية المتبقية أو أُجبِرت على مغادرة روسيا. يأتي بوتين من أوساط الأجهزة الأمنية، على غرار عدد كبير من زملائه في الكرملين، وهو يملك جميع الموارد اللازمة لتحويل روسيا إلى دولة بوليسية وحشية وأكثر قمعية مما هي عليه اليوم.

لن تمنحه هذه المقاربة دعماً صادقاً للحرب وقد لا تضمن تفوّقه في الصراع، لكنها تقدّم له وسيلة لإشراك الروس في الجهود الحربية ومعاقبة كل من يقف في وجهه بأقسى الطرق. سيصبح بوتين إذاً صارماً في المراحل المتبقية من الحرب الأوكرانية ووحشياً في حربه الداخلية.