كتبتُ ذات يوم عن عبد الكريم الشعار وجورج وسّوف بشكل عابر. علّقت بجملة على الصوت الآسر القوي الطربي مقابل الصوت الآخر، فاستنكرت زميلة مثقفة جمع الاسمين معاً في جملة واحدة "لا تجوز المقارنة فالفارق شاسع بين الإثنين" ظننتُ أنها مثلي منحازة إلى سيّد الطرب الأصيل وفوجئت أنها من عشّاق صوت "السلطان" الواقع في حيرة، بين صوت أنثى وصوت رجل، في مرحلة أولى، ومع التقدم في الفن صار الصوت المشبع بالنيكوتين، وما هو أسوأ، غير محدد، ومادة دسمة للمقلّدين. لو غنّى الشعّار والوسّوف مقطعاً من رباعيات الخيام، أو شيئاً من القدود، لبدا السلطان النجم، سلطان ابراهيم، والمطرب الآخر حوتاً يلتهم السلاطين.
بعض المدافعين عن الوسّوف يزعم أن ما يعوّض عن حال الصوت المتذبذبة، قبل إصابته بالشلل النصفي العام 2011، هو أداؤه الفريد... ويضاف إلى الأداء طريقة إمساكه بالميكرفون ومحطات الكلام كقوله "حبيب قلبي" عالطالع والنازل وتطلع منه "عبيب قلبي"... وستايل المنشفة الملقاة دائماً على كتفيه كأنه مدرّب ملاكمة أو خارج لتوّه من الـ"جيم".
وفي الأمس عدتُ إلى من أنعم عليه جورج ابراهيم الخوري بلقب "سلطان الطرب"، ومعروف عن أبي بسام كرمه بمنح الألقاب من "خوليو العرب" إلى "الموسيقار" إلى "شمبانيا الرقص الشرقي" مروراً بملكة جمال النجوم وباربي الغناء، ولكل مقام مقال. ولكل لقب سعر. عدتُ مستغرباً لصق صفة الـlegend بشخصية فنية إشكالية، تدعو أحياناً للشفقة. حال جورج وسّوف اليوم، كحال صباح فخري بالأمس. صوت خارج الخدمة، مع البون الشاسع بين الصوتين... لمصلحة الثاني. يُقال إن شخصية خليجية مهتمة بالفنون والترفيه أطلقت على الوسّوف لقب the legend متخطية الأديب الراحل.
لا شكّ أن للوسوف حضوره الجماهيري المؤثر في العالم العربي. ولديه بعض الأغاني الناجحة مثل "الهوى سلطان" لجورج يزبك، وذلك في بدايات النجم السوري، واعترافاً بفضل يزبك، وقف وسّوف قرب يزبك في أرذل العمر والصحة والظروف، كما أعطى نور الملّاح لفتى ذاك الزمن ألحاناً لا تُنتسى "روحي يا نسمة" و"حِلِف القمر" وغيرهما من دون إغفال ألحان صلاح الشرنوبي.
شكّل وسّوف في خلال 45 سنة ظاهرة فنية. الظاهرة ليست أسطورة إلّا لمن وجد أوجه تشابه بين إلفيس وجرجي. ومن رصيد الأعوام الماضية يصرف وسّوف و"يبعزق"، وبحسب المتابعين تحقّق حفلاته إقبالاً واسعاً. "صولد آوت" بلغة البطاقات. لكن هذا الإعتراف الجماهيري لا يجعل من الفنان المنهك أسطورة بأي شكل، الجمهور ليس المقياس الوحيد. شعبان عبد الرحيم شكّل ظاهرة في مصر. وقبله أحمد عدوية، ومثلهما مطرب الرجولة فهد بلّان وبين النساء هيفاء وهبي ديفا. أهم أساطير؟
وعلى سيرة الأساطير. لا الشحرورة صباح صدّقت أنها أسطورة، ولا صدّقت أن فادي لبنان (القنطار) خليفة عمالقة المسرح والتلحين والغناء والرقص في العالم العربي!