د. نبيل خليفه

رئيس لجمهوريّة لبنان: المهمّات والمتطلّبات!

13 تشرين الأول 2022

02 : 00

قصر بعبدا

استكمالاً لمقالنا السابق في «نداء الوطن» (6/10/2022) حول «رئيس جمهوريّة لبنان ومهمّات المرحلة الراهنة» نعرض للمهمّات الأساسيّة التي ينبغي أن يقوم بها رئيس جمهوريّة لبنان المقبل والمعطيات الأساسيّة التي ينبغي ان ترافقها كي تجعل من هذه المهمّات مسألة ممكنة وقابلة للتحقّق والتنفيذ. هذا يستدعي قبل كل شيء ايراد بعض التوضيحات الفكرية والعملية التي لا بدّ منها كي تكون الأمور واضحة ومفهومة.

1 - ان الرئيس السيادي لا يمكن أن يأتي بموافقة جميع القوى السياسيّة ذلك انه رئيس يؤمن ويعمل للبنان الوطن والأمّة والقومية بأبعادها اللبنانيّة وهو ما يتعارض بل ويتناقض مع الذين يؤمنون ويعملون للوطن السوري والوطن العربي والأمّة السورية والأمّة العربية والأمّة الاسلاميّة والقومية السورية والقومية العربية. ومع ان رئيس لبنان لا يعلن حرباً معنوية أو فعليّة على أي من هذه القوى، فإنّ اختياره بالذات كرئيس مؤمن بلبنان الأمّة السيّدة المستقلة، يجعله في موقع العداء لأعداء الأمّة اللبنانيّة. وهكذا يصبح الكلام عن رئيس للجمهورية يأتي بارادة جميع اللبنانيين مجرّد كذبة يجري نقضها على أرض الواقع. لذا يكون من أولى مميّزات الرئيس الجديد التسلّح بفكر عقائدي ليحسن تقدير الأمور على حقيقتها. وفي هذا المجال نشير من باب المساهمة الايجابية الى مؤلفات الدكتور ناصيف نصار أحد أبرز الوجوه الفلسفيّة في العالم العربي. ومنها ««نحو مجتمع جديد»، و»مفهوم الأمّة بين الدين والتاريخ»، «وطريق الاستقلال الفلسفي». ذلك ان الأمور ينبغي توضيحها على مستوى الفكر العقائدي بين المؤمنين بلبنان وأعداء الكيان اللبناني.

2 - إنّ رئاسة لبنان، تستدعي قبل كل شيء، وبعد كل شيء شخصيّة ذات ثقافة واسعة وعميقة لسبب جوهري وهو أن لبنان بذاته هو كيان صعب ومعقّد ومتنوّع. وبالتالي لا بدّ من امتلاك فكر رحب ومعمّق لاستيعاب كل الصعوبات والتناقضات التي تختصر قضايا العالم العربي من مشرقه الى مغربه. ان استيعاب المشاكل هو المدخل الى حلّها. من هنا ضرورة ان يحيط رئيس البلاد نفسه بلجنة من المستشارين فيها رجال القانون، ومن هنا كان تشديدي سابقاً على دور الأستاذ ادمون رزق كلبنانوّي مارونوّي. إن الالتزام بالخط القانوني الدستوري للبنان هو الذي يمنحه التوازن والاستقرار في حياته السياسية. وفي هذا المجال ينبغي التفريق الحاسم بين لجنة استشارية من «الأزلام» ولجنة استشارية من المفكّرين العلماء الذين يهتمون بمصالح الأمّة لا بمصالح الزعماء القائمة على الفساد والاستغلال!

3 - إن الشخص المدعو الى ترؤس الجمهورية اللبنانية مدعو في الوقت عينه وفي المهمّة ذاتها الى الايمان بـِ /والعمل على/ وتحقيق المتطلبات التالية التي هي انعكاس لدستور وميثاق الجمهورية اللبنانية منذ العشرينات من القرن الماضي :

- الوجوديّة: أي اننا موجودون كمؤسسة سياسية بقوة الايمان والتاريخ، ولسنا مستعدّين تحت أي ظرف ان نتخلى او أن نتراجع عن هذا الايمان المعبّر عن وجودنا التاريخي كوننا دولة سيدة حرّة مستقلة في عداد لائحة الأمم.

- المصيريّة: وهي تتعلق بمصير هذا الوجود: النهائيّة أو الزوال. وطبيعي ان يتمسك المؤمنون بلبنان بأنه كيان نهائي في حين يذهب الآخرون الى كونه كياناً موقتاً وزائلاً.

- الكيانيّة: وهي تتعلق بالطبيعة الجغرافيّة للدولة اللبنانية. بها يتحدد حجم الدولة وتُرسّم حدودها البريّة والبحريّة مع دول الجوار. ويشدّد علماء الجيو- بوليتيك وعلى رأسهم الألماني فريديرتش راتزل بأن الطبيعة الجغرافية للدولة تؤثر على سياستها. وبالنسبة للبنان فإنّ وقوعه بين دولتين إقليميتين توسّعيتين من مثل اسرائيل وسوريا يدفعه حُكماً الى طلب الحياد تجنباً للاعتداءات عليه والعمل على استغلال ثرواته الطبيعية: المائية والنفطيّة والغازيّة. ان حياد لبنان ليس خياراً سياسياً لأشخاص او جهات أو أحزاب معيّنة، بل هو حتميّة تفرضها قواعد العلاقات الدوليّة انطلاقاً من الطبيعة الجغرافية للدول!

- الاستراتيجيّة: إذا كانت الاستراتيجيا تعني «فن الرؤية الشاملة لمسار الحرب ولأعمال الدفاع عن بلد ما» فإنّ الرؤية الشاملة لما يجري في لبنان وحوله تفرض حكماً على المسؤول الأول، العمل على تحقيق السيادة على كل بقعة من بقاع الوطن وبالتالي منع أي كان من تحدّي سلطة الدولة مما يفرض حكماً منع أي سلاح من تحدّي السلاح الرسمي للدولة. وفي هذا الباب يدخل أصعب تحدٍّ يواجهه الرئيس لإقناع «حزب الله» بمشروع حلّ يؤدي الى جمع السلاح وارتباط استخدامه بالظروف والضرورات الوطنيّة إذا أمكن ذلك. إنها مهمّة شاقة ولكنها من أهمّ وأخطر المهام التي تقع على عاتق الرئيس الجديد. وهي تدخل ضمن صياغة استراتيجية جديدة يلتزم بها «حزب الله» والدولة وتشكّل حافزاً أساسياً لاستعادة الدولة اللبنانية دورها ومهماتها الوطنية والدولية.

- الأخوّة الانسانيّة: وهي عنوان الوثيقة التي صدرت عن البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيّب، وتأتي هنا في مكانها الصحيح لكي تعبّر عما كان اللبنانيون يسمونه، ولا يزالون يسمونه، بالصيغة اللبنانية. إنها صيغة الحياة المشتركة بين المسيحيين والمسلمين في لبنان. والآن يجري نقلها الى العالم وخاصة العالم بوجهيه المسيحي والمسلم. ان وثيقة الأخوّة الانسانيّة هي مدخل لعالم جديد قائم على علاقات جديدة بين المسيحيين والمسلمين: علاقات أخوة ومصالحة وتفاهم وليس علاقات صراع وبغضاء وتكفير: ان رئيس لبنان الجديد موضوع على رأس اللائحة لتطبيق هذا الاعلان بل هذه الوثيقة الفاتيكانيّة – الأزهريّة بأدوات لبنانيّة!

- الأسرة العربيّة: يشكّل لبنان عنصراً تأسيسياً في العائلة العربية، فلقد ساهم منذ نشوئه في صياغة الكيان العربي والجامعة العربية واللّغة العربيّة والنهضة العربيّة وعمل في مختلف المؤسسات الدوليّة مدافعاً عن القضايا العربيّة. هذا الموقع ليس مجرّد خيار بل هو واقع مفروض بالتاريخ والجغرافيا. ولذا ينبغي الاصغاء لصوت التاريخ في تحديد خيارات لبنان السياسيّة باعتباره، ليس مجرّد جزء من العالم العربي، بل باعتباره قوة نهضوية ثقافية فاعلة في كافة مجالات العمل العربي المشترك.

هذه بعض العناوين العامّة لما ينتظر رئيس لبنان المقبل من متطلّبات.

لدينا خامات جديرة بالتقدير والاحترام.

علّنا نوفق بوصول واحدة منها!

(*) باحث في الفكر الجيو سياسي