طوني فرنسيس

الإتفاق التاريخي

3 دقائق للقراءة

أفضل وصف لاتفاق الترسيم بين لبنان وإسرائيل قد يكون هو ذلك الذي قدّمه الرئيس الأميركي جو بايدن في بيان إثر اتصالات أجراها مع الرئيس ميشال عون ورئيس الوزراء الإسرائيلي يائير ليبيد.

قال بايدن الذي حرص على توجيه الشكر لنظيره الفرنسي ايمانويل ماكرون على»دعمه المفاوضات»، إن الإتفاق «اختراق تاريخي»، فهو من جهة «يحمي المصالح الأمنية والاقتصادية لإسرائيل» ومن جهة ثانية يسمح للبنان «ببدء استثمار موارد الطاقة لديه».

«تاريخية» الاتفاق تبنّاها أيضاً مسؤول كبير في الإدارة الأميركية قائلاً إن «واشنطن تعتبر اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل انفراجة تاريخية».

في الجانب الإسرائيلي لم يغب التفسير عينه. ليبيد وصف الاتفاق بأنه «تاريخي» أما منافسه نتانياهو فقد استعمل التاريخية في اتجاه معاكس. هذا الاتفاق «استسلام تاريخي» يقول رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق. حديث نتانياهو ينسجم مع المعركة التي يخوضها للعودة إلى السلطة ومعارضته تفسّرها المناسبات الانتخابية المعهودة.

في إسرائيل لم يخف السياسيون الدور المركزي للجيش والمخابرات في الإعداد للاتفاق ثم إجازته. واعتبر هؤلاء أنّ مفاوضهم في الجانب اللبناني هو «حزب الله». تقول صحيفة «هاأرتس» إن المسؤولين اللبنانيين المفاوضين إنما ينقلون رسائل حسن نصرالله. وفي اجتماع الحكومة الإسرائيلية المصغر الذي أقرّ الاتفاق كان رأي أجهزة الأمن موحداً في أن «الاتفاق يعزّز أمن إسرائيل»، ولذلك تمّت الموافقة بشبه إجماع.

كانت «هاأرتس» لاحظت قبل أيام أن «حزب الله يحافظ على نبرة ملجومة نسبياً ولا يطلق تهديدات كثيرة ضد إسرائيل»، كما لاحظت «صمت إيران، التي بالرغم من دعمها حزب الله وتدخلها الكبير في ما يحدث بلبنان، امتنعت عن التطرق إلى المفاوضات» ورجحت أن هذا الصمت الايراني «سببه الأوضاع الداخلية في إيران»... وفي لبنان!

مع ذلك لن يطول الصمت الإيراني، فصحيفة «وطن امروز» الإيرانية الأصولية حسمت الأمر البارحة وقالت إن الاتفاق «نصر كبير» لحزب الله الذي مرغ «أنف إسرائيل وأجبرها على القبول بهذه الإتفاقية!».

المفاوض الرسمي اللبناني نأى بنفسه قليلاً عن التاريخ فكاد يتنصّل ممّا فعله. الياس بو صعب اعتبر أن ما حصل ليس اتفاقاً ولا معاهدة، لكن نصرالله كان صاحب الكلمة الأخيرة: «عندما يقول المسؤولون اللبنانيون ويعلن فخامة الرئيس الموقف الرسمي الموافق والمؤيد للاتفاق، تكون الأمور بالنسبة إلى المقاومة قد أنجزت... وعندما يحصل التوقيع نستطيع القول إن هناك اتفاقاً حصل».

ولقد حصل كل ذلك، لنجد أنفسنا أمام اتفاق في العمق بين «حزب الله» وما يمثله وبين إسرائيل، خلاصته كما قال بايدن: ضمان أمن الدولة العبرية من جهة وإتاحة الفرصة للبنان بسياسييه وحكّامه لاستثمار محتويات بحره من جهة ثانية. إنه اتفاق تاريخي في مسار الصراع مع إسرائيل، فبالنسبة لهذه الدولة ها هو باب تهديد يتمّ إقفاله، وهذا هو المهم قبل النفط والغاز ومن أجلهما.