جوليان غيويرتس

الصين تُصِرّ على محوِ تاريخها

14 تشرين الأول 2022

المصدر: Foreign Affairs

02 : 00

تراقب الصين اليوم أي سجلات تاريخية تعارض خطابها الرسمي بأكثر الطرق صرامة. فرضت الحكومة عقوبات جديدة على جريمة "العدمية التاريخية"، وتُجرّم القوانين "التشهير" بأبطال وشهداء الحزب الشيوعي الصيني، ويُمنَع الجميع من كتابة أي معلومات عن الإصلاحات السياسية التحررية السابقة. حتى أن السلطات الصينية منعت تطبيقاً للألعاب على اعتبار أنه "يشوّه التاريخ". تبيّن أن الحزب الشيوعي الصيني يعتبر التاريخ مادة أساسية من السياسة الصينية، حين أصدر قراراً حاسماً حول تاريخه في الذكرى المئوية لتأسيسه، في العام 2021.

تعيد حكومات أخرى صياغة التاريخ أيضاً، ولطالما لجأت إلى هذه المقاربة. تُعتبر الأساطير الوطنية ومظاهر الوحشية الإمبريالية والعنصرية والاستبداد التي تغفل عنها، أساسية في الحياة العامة، بدءاً من الولايات المتحدة وصولاً إلى جنوب أفريقيا وشرق أوروبا. عمد حكام الصين أيضاً إلى إعادة صياغة التاريخ طوال قرون، وبذلوا جهوداً سياسية كبرى لطرح سجلات محددة عن السلالات المحلية وقمع الخطابات البديلة. لكن لإدراك حقيقة الصين اليوم، لا بد من فهم طريقة تأثير سطوة الحكام على التاريخ في الحياة السياسية.

لم يكن مفهوم "النموذج الصيني" الشائع اليوم (أي النمو الاقتصادي السريع الذي يتزامن مع سيطرة سياسية استبدادية) الرؤية المستقبلية الوحيدة التي سعى قادة الصين إلى تحقيقها بعد وفاة ماو تسي تونغ، فهم تخيلوا واختبروا مجموعة متنوعة من النماذج الصينية المحتملة خلال الثمانينات. لكن بذل حكام الصين قصارى جهدهم لإخفاء تفاصيل تلك التجربة. بعبارة أخرى، جرى تحريف واحد من أقوى التحولات في القرن العشرين لترسيخ شرعية المسار الذي اختاره الحزب الشيوعي الصيني.

كانت نزعة حكام الصين إلى إعادة صياغة التاريخ تتمحور بشكلٍ أساسي حول فصل الإصلاح السياسي عن الإصلاح الاقتصادي. أعاد الحزب الشيوعي الصيني تفسير أحداث حقبة الثمانينات باعتبارها صراعاً بين المبادئ الأساسية الأربعة التي طرحها الزعيم الصيني دينغ شياو بينغ، و"فزاعة التحرر البرجوازي" الذي كان يشير برأي دينغ إلى أشكال غير مقبولة من التحرر السياسي والاجتماعي والإيديولوجي. كان النمو المبني على السوق هدفاً اقتصادياً صائباً من وجهة نظر دينغ، لكنه اعتبر التفكير العلني بتحرير المجتمع، في أوساط المفكرين وحتى كبار المسؤولين خلال الثمانينات، خطأً جسيماً. يرفض الحزب اليوم بشكلٍ قاطع التجارب والشكوك ومظاهر الانفتاح التي تبنّاها في السنوات السابقة.

عُقِد اجتماع خاص، بين 19 و21 حزيران 1989، لمناقشة الاضطرابات الناشئة في تلك الحقبة ومصير تشاو زي يانغ، أمين عام الحزب الشيوعي الصيني السابق الذي حمل أجندة مبنية على الإصلاح والانفتاح، فحصل تشاو حينها على فرصة الدفاع عن نفسه وأصرّ على اعتبار فصل التحرر السياسي عن التحرر الاقتصادي خطأً فادحاً.

لكن تجاهل الجميع تعليقات تشاو، ولم يسمح الخطاب الرسمي الجديد بعد فترة الاضطرابات بهذا النوع من الانفتاح لمناقشة النظام السياسي الصيني أو السياسات المُصمّمة للحد من سلطة الحزب الحاكم. في هذا السياق، ذكرت توجيهات رسمية في 13 أيلول 1989 عبارة جديدة: "يجب أن يسمح إصلاح النظام السياسي بتقوية قيادة الحزب وتحسينها، لكنه لا يستطيع أن يستخف بقيادة الحزب أو يضعفها أو يفكر بإلغائها في أي ظرف".

بعد فترة قصيرة، بدأ جهاز الحملات الدعائية يحذف تشاو من السجلات. لم تقتصر هذه الحملة على إضعاف دوره أو انتقاد جزءٍ من سياساته، ولم تكتفِ بمعاقبته ووضعه تحت الإقامة الجبرية. كانت هذه الجهود تهدف إلى التأكد من سرد أحداث الثمانينات من دون الإشارة إلى الرجل الذي قاد البلد على مر عقد كامل. أرسل منظّمو الحملة الدعائية تعليمات مفصّلة عن طريقة محو تشاو من السجلات إلى الناشرين في أنحاء البلد، في 7 آب 1989، أبرزها منع صدور كتب جديدة عنه، والمطالبة بتدمير السِيَر المتعلقة به، وإجبار الناشرين على حذف تصريحاته من الوثائق إذا أمكن. وإذا لم تكن هذه الخطوة ممكنة، "يمكن الاحتفاظ بتصريحاته شرط ألا تذكر اسمه الشخصي". كذلك، لم تعد الكتب والمجلات تستطيع "نشر صور الرفيق تشاو زي يانغ... ويجب أن تحذف الكتب التي يُعاد نشرها أو طباعتها صوره".

راقب تشاو هذه الأحداث كلها من داخل حديقته المسيّجة وشاهد حملة حذفه من سجلات التاريخ، فلم يعد موجوداً في الوثائق الرسمية الخاصة بتلك الحقبة التي رسم معالمها واعتُبِر فيها شخصية لها تأثير كبير على مستقبل الصين. فكّر قادة الصين خلال الثمانينات بأشكال عدة من التحرر والعصرنة، لكنهم جددوا التزامهم الآن بمسار جديد وضيق وأكثر استبداداً. لا يمكن السماح بتطبيق إصلاحات سياسية إلا إذا كانت تهدف إلى تقوية الحزب الشيوعي الصيني. في غضون ذلك، تم إسكات الأصوات البديلة (أو الأحداث التاريخية البديلة)، مهما كانت رسمية أو قوية في السابق. أعلن جيانغ زيمين، خَلَف تشاو كأمين عام للحزب الشيوعي الصيني، في أواخر العام 1989: "يجب أن يعرف جزء معيّن من الناس بعض المسائل ويتحكموا بها. يتوقف وضوح المواضيع أو غموضها على الأثر الذي تعطيه على مستوى الاستقرار الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، والهدوء الذي تبثّه في قلوب الناس".

استمر هذا المسار التصحيحي وتوسّع نطاقه في خريف العام 1989 والسنوات اللاحقة. بالنسبة إلى قيادة الحزب الشيوعي الصيني، زادت المخاطر المطروحة بعد سقوط جدار برلين وتوسّع التغيرات السياسية في أنحاء أوروبا الشرقية. في هذا السياق، قال دينغ: "طالما تصمد الاشتراكية في الصين، ستحافظ على مكانتها حول العالم". بعد انهيار الاتحاد السوفياتي تحديداً، اعتبر حكّام الصين بلدهم الناجي الاشتراكي الوحيد في عالمٍ رأسمالي خطير.

كان أعداؤهم الجدد محليين وخارجيين في آن. من بين الأشرار المزعومين، برز اسم المموّل الأميركي المجري جورج سوروس الذي اتُّهِم بالتآمر مع مستشاري تشاو لدعم "ثورة سلمية" في الصين ونقل البلد من الاشتراكية إلى الديمقراطية الرأسمالية. على المستوى المحلي، توسّعت حملات التطهير الوحشية بحق مفكرين ومسؤولين وعمّال يحملون تفكيراً خاطئاً ونُفّذت في معظمها سراً.

في العام 1992، بعد ترسيخ هذا النوع من التعديلات، ذهب دينغ للمشاركة في جولة جنوبية، فزار مناطق اقتصادية خاصة على الساحل الجنوبي الصيني لإعادة إحياء الإصلاحات الاقتصادية وتسريع إيقاعها، لكنه لم يُعبّر عن اهتمامه بالتخلي عن الخطاب الرسمي الجديد حول تحديث الصين. لضمان النجاح في هذه المسيرة، يجب أن يتابع الحزب الشيوعي الصيني تحقيق نمو اقتصادي سريع من دون تنفيذ أي تحرر سياسي واسع، فتنتشر الفكرة القائلة إن هذه المعادلة هي المقاربة الممكنة الوحيدة في الصين، وتُعاد صياغة التاريخ بطريقة تضمن إخفاء مساعي البلد لتطبيق مقاربات بديلة.

بعد تجدّد النمو الاقتصادي في الصين، بدا نجاح البلد مبهراً لدرجة أن يعتبر المحللون إصرار بكين على فصل التحرر السياسي عن التحرر الاقتصادي ظاهرة حتمية وطبيعية. انتشرت في كل مكان الأفكار التي تعتبر الصين نموذجاً "أفضل من الديمقراطية" و"نسخة غنية وضخمة من سنغافورة": إنه نتاج نظامٍ وصفه الصحافي الأميركي نيكولاس كريستوف بعبارة "لينينية السوق" في العام 1993.

لكن عملياً، تابع انهيار الاتحاد السوفياتي مطاردة الحزب الشيوعي الصيني، فاعتبر هذا الأخير النمو الاقتصادي واستمرار هيمنة الحزب الحاكم على المجتمع والجيش والسجلات التاريخية عوامل أساسية لتحقيق النجاح. تكيّف الحزب الشيوعي الصيني مع الظروف المستجدة واختبر أحياناً استراتيجيته الخاصة لحُكم البلد، لكن تبقى هذه المقاربات في معظمها مجرّد نُسَخ معدّلة من الحُكم الاستبدادي.

ماذا عن التاريخ المحذوف عن فترة الثمانينات في الصين؟ رغم جميع المصاعب، لم يوقف بعض الكتّاب الصينيين محاولة تأريخ الماضي. هم يستعملون حِيَلاً استراتيجية للتكلم عن شخصيات منبوذة، كأن يعتبروا تشاو "رفيقاً بارزاً في الحكومة المركزية في تلك الحقبة". حتى أنهم يتجاوزون الحدود أحياناً ويختبرون قيود الخطابات المقبولة. كتب الروائي الصيني، يان ليانكي، مثلاً: "كنتُ أفترض أن سجلات التاريخ والذكريات تتفوّق دوماً على الممارسات الشائبة والمؤقتة وتعود إلى مكانها الأصلي. لكن يبدو لي الآن أن العكس صحيح... يحصل كل من يبدي استعداده لرؤية ما هو مسموح به، مقابل الإغفال عن المسائل الممنوعة، على النفوذ والشهرة والمال".

حتى الآن على الأقل، تقضي أكثر الرهانات أماناً داخل الصين باعتبار هذا التاريخ غير موجود برأي يان. أحياناً، ينتج هذا الوضع تصريحات صادقة على نحو غير متوقع. هذا ما حصل مثلاً منذ بضع سنوات، حين سُئِل كاتب سيناريو مسلسل تلفزيوني دعائي عن دينغ، خلال مؤتمر صحافي، عن السبب الذي دفعه إلى وقف المسلسل فجأةً في بداية الثمانينات، مع أن دينغ حافظ على قوته خلال السنوات اللاحقة. كان جواب الكاتب صريحاً لأقصى درجة، فقال: "يتعلق السبب بصعوبة كتابة التاريخ بعد العام 1984. يصعب أن نتحمّل تداعيات هذه الخطوة". قد يكون قمع هذا التاريخ ممكناً، لكن لا يمكن محوه بالكامل رغم جميع المحاولات. قد تتحول تلك الأحداث يوماً إلى ما سمّاه الناقد الثقافي الأميركي، فان ويك، "ماضياً صالحاً للاستعمال"، فيتم إنقاذها للمشاركة في رسم معالم الصين مستقبلاً، مع أن تلك المرحلة تبقى مبهمة في جميع الأحوال.