كشف بحث جديد الآلية التي تسمح لزيت السمك الغني بأحماض الأوميغا 3 الدهنية بتخفيف الالتهابات. تذكر الدراسات التي اختبرت مكملات زيت السمك المُدعّمة أنها تزيد مستويات بعض الجزيئات المضادة للالتهاب في الدم. تُسمى تلك الجزيئات "الوسطاء المتخصصين المؤيدين لحل" (SPM)، وتعطي أثراً قوياً على خلايا الدم البيضاء وتتحكم بالتهاب الأوعية الدموية أيضاً.
يعرف العلماء أصلاً أن الجسم ينتج جزيئات SPM عبر تفكيك الأحماض الدهنية الأساسية، بما في ذلك أنواع من الأوميغا 3. لكن لم تكن العلاقة بين أخذ المكملات ومستويات SPM واضحة.
لذا قرر فريق من الباحثين في "معهد ويليام هارفي للأبحاث" في جامعة "كوين ماري" في لندن استكشاف تلك العلاقة عبر اختبار أثر مكملات زيت السمك المُدعّمة لدى 22 متطوعاً سليماً تتراوح أعمارهم بين 19 و37 عاماً.
نُشرت نتائج الدراسة في مجلة "أبحاث الدورة الدموية". استخدمت التجربة الدواء الوهمي ولم يعرف المشاركون ولا الباحثون الذين أعطوهم الجرعات وراقبوهم عبر طريقة توزيع مكملات زيت السمك والدواء الوهمي.
يقول المشرف الرئيس على الدراسة، جيسموند دالي، أستاذ في الصيدلة الجزيئية في معهد "ويليام هارفي": "استعملنا الجزيئات كمؤشرات حيوية لإثبات طريقة استعمال أحماض الأوميغا 3 في الجسم ولرصد أي منافع لتلك الجزيئات على مستوى خلايا الدم البيضاء".اختبرت التجربة ثلاث جرعات من مكملات زيت السمك المُدعّمة وقارنتها بدواء وهمي. أخذ الباحثون عينات من دم المشاركين لفحصها.
قدّم كل مشارك خمس عينات على مدار 24 ساعة: في بداية الدراسة، وبعد ساعتين، ثم بعد 4 و6 ساعات و24 ساعة على تلقي جرعة المكملات أو الدواء الوهمي.اكتشف الباحثون أن أخذ مكملات زيت السمك يرفع مستويات SPM في الدم. وتربط النتائج هذه الزيادة بمدة العلاج وحجم الجرعة. كذلك، كشفت التجارب أن المكملات زادت مستوى الخلايا المناعية التي تهاجم الجراثيم بحسب الجرعة المستعملة، مقابل تراجع نشاط الخلايا التي تعزز تجلط الدم.
الالتهاب استجابة دفاعية يطلقها جهاز المناعة، وهي ضرورية للحفاظ على الصحة. تتعدد العوامل التي تستطيع إطلاق تلك الاستجابة، بما في ذلك الخلايا المتضررة والسموم ومسببات الأمراض، على غرار الجراثيم.
كذلك، قد يتضرر النسيج بسبب الخلايا المناعية التي تنشط خلال الالتهاب، لذا من الضروري أن يتلاشى الالتهاب بعد زوال التهديد لإطلاق مسار الشفاء. تؤدي مضادات الالتهاب الشبيهة بجزيئات SPM دوراً في كبح الالتهابات. لكن إذا استمر الالتهاب وأصبح مزمناً، يبدأ بإضعاف الصحة بدل حمايتها. ربطت الدراسات بين الالتهابات وأمراض القلب، والتهاب المفاصل الروماتويدي، ومشاكل صحية حادة أخرى.
لم تتضح بعد مدى قدرة تلك الجزيئات على تخفيف أمراض القلب والأوعية الدموية، لكن يذكر بيان صحافي مرافق للدراسة أنها تشحن البلاعم (خلايا متخصصة تقضي على الجراثيم وتتخلص من الخلايا الميتة) وتنتج صفائح أقل لزوجة، ما يؤدي إلى تراجع نشوء جلطات الدم. تثبت الأبحاث أيضاً أن تلك الجزيئات تؤثر على تجدد الأنسجة وتتعدد أهدافها.
طرحت دراسة واردة في مجلة "نيو إنغلاند" في العام 2019 تركيبة طبية تحتوي على حمض الإيكوسابنتانويك وتستطيع تخفيض مخاطر النوبات القلبية والجلطات الدماغية وحالات الوفاة المرتبطة بهذه الحالات لدى أكثر الأشخاص عرضة لأمراض القلب والأوعية الدموية أو المصابين بها أصلاً. حمض الإيكوسابنتانويك نوع من الأوميغا 3 ويمكن إيجاده في زيت السمك. لكن يقول المشرف على تلك الدراسة، ديباك بات، طبيب قلب في مستشفى "بريغهام" للنساء وأستاذ طب في جامعة "هارفارد" في بوسطن: "لا تثبت أي أدلة موثوق بها أن المكملات غير الطبية تعطي الأثر نفسه".
يذكر تقرير سابق صدر عن "جمعية القلب الأميركية" أن تلك المكملات قد تُخفض خطر الوفاة بدرجة بسيطة بعد التعرض لنوبة قلبية أو قصور القلب، لكن لا شيء يثبت أنها تمنع نشوء أمراض القلب منذ البداية.
يدعو دالي إلى إجراء دراسات إضافية للتأكد من تكرار النتائج التي سجلها متطوعون أصغر سناً تحت تأثير مكملات زيت السمك لدى أفراد فوق عمر الخامسة والأربعين. مقارنةً بالأشخاص الأصحاء، يتراجع مستوى جزيئات SPM لدى المصابين بالتهاب مزمن، ولا تعطي الأنزيمات التي تنتجها مفعولها الاعتيادي لدى هؤلاء الأفراد.
سيحتاج المبتكرون إلى هذا النوع من المعلومات عند تركيب مكملات لمعالجة الأمراض. لا بد من التأكد أيضاً من قدرة الجسم على تفكيك المكملات إلى جزيئات واقية.