خالد العزي

هل يُهاجم لوكاشينكو أوكرانيا؟

4 دقائق للقراءة
لوكاشينكو (أ ف ب)

أعلن رئيس بيلاروسيا ألكسندر لوكاشينكو نشر "مجموعة مشتركة من القوات" مع روسيا في البلاد. ففسّرت بعض وسائل الإعلام هذا بأنه استعداد بيلاروسيا لدخول الحرب ضدّ أوكرانيا، لكن في الواقع، لدى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ولوكاشينكو خططاً أخرى.

يُمكن القول إن بوتين استطاع الضغط على لوكاشينكو في محاولة جرّه للدخول في الحرب ضدّ أوكرانيا، ما كشف أن لوكاشينكو يُحاول تغيير سلوكه تدريجاً، وهذا قد ظهر بعد زيارته إلى أبخازيا، المقاطعة المحتلّة روسيّاً من جورجيا بعد امتناعه عن الزيارة لمدّة 14 سنة، وعدم الاعتراف بهذه المقاطعة إلى جانب غيرها ككيانات مستقلّة.

فالقرار الذي اتخذه لوكاشينكو الأسبوع الماضي بعد عودته من اجتماع دول الكومنولث الاقتصادي في سان بطرسبرغ، عبر دعوة المجلس الأمني للجمهورية واتخاذ قرار بنشر القوات المشتركة على الأراضي البيلاروسية، تحت حجج واهية بأن دولاً من "الناتو" وتحديداً بولندا وليتوانيا ولاتفيا، بالمشاركة مع أوكرانيا، تُدرّب معارضين بيلاروساً لتنفيذ "أعمال إرهابية" ضدّ بيلاروسيا، وهذا ما لن يُسمح به وأنه سيُدافع عن أراضيه بكلّ قوّة.

لقد بات الضغط واضحاً على الرئيس البيلاروسي على الرغم من المساعدات التي يُقدّمها لوكاشينكو لبوتين في هذه الحرب، لجهة وضع الدولة وأرضها ومطاراتها كثكنة عسكرية للجيش الروسي الذي يُهاجم أوكرانيا، وخاصة في بداية المعارك حيث تم اطلاق الصواريخ الأولى من بيلاروسيا وتقدّم الجيش الروسي نحو كييف من جهة غومل البيلاروسية.

وأشار لوكاشينكو، وفقاً لعالم السياسة الألماني نيكو لانج، إلى دعمه لبوتين منذ بداية الحرب، لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن القوات العسكرية تخوض الحرب. يعتقد الخبير أن السلطات البيلاروسية ستقتصر على تزويد الجيش الروسي بالذخيرة والمركبات والبنية التحتية اللازمة كالمطارات.

أما الجيش البيلاروسي، فهو غير جاهز للقتال، على الرغم من أن الجيش ينفذ قرارات القيادة العليا... لا يزال الوضع مضبوطاً وسوف يُنفذ القرارات، لكن الجيش البيلاروسي غير مستعدّ تماماً للحرب والقوات المسلحة ضعيفة التجهيز وتُعاني من نقص شديد في التمويل وتستخدم في الغالب معدّات عسكرية قديمة خلّفتها الحقبة السوفياتية. وهكذا، من بين حوالى 60 طائرة بيلاروسية جاهزة للقتال، 9 فقط تُلبّي المتطلّبات الحديثة.

لقد أفاد المعهد الأميركي لدراسة الحرب سابقاً أن "دخول بيلاروسيا المباشر إلى الحرب غير مرجّح، لأنّ نظام لوكاشينكو لا يزال عرضة لمزيد من الاضطرابات في أعقاب احتجاجات عام 2020 الضخمة". لذا، يؤكد المحلّلون أنه إذا انضم لوكاشينكو إلى العدوان الروسي، فإنه يُخاطر بخسارة جيشه والحصول على مسيرات جديدة في البلاد، والتي لن يكون هناك من يقمعها.

النظام يُحاول عدم الانخراط في الحرب لأنّ صراعات الداخل ستخرج مباشرة إلى الشارع، وكي لا يدخل لوكاشينكو في هذه الزوبعة، سيضطرّ للماطلة والاحتيال والابتعاد وعدم التنفيذ. إذاً، لن ينخرط لوكاشينكو في الحرب ولن يستطيع المجاهرة بأنه لن يدخل الحرب والقول إن بوتين أخطأ، لأنّ نظام لوكاشينكو أصبح تحت سيطرة بوتين، لكنّه في الوقت عينه لا يُريد الدخول في الحرب لسببين أساسيين:

- السبب الأوّل يتعلّق بحالة الرفض الشعبي الكامل لهذه الحرب التي لا تحمل في طياتها أي قضية للبيلاروس، وخاصة أن كلّ الطبقات المؤيدة للنظام والمعارضة له ورجال الأمن، يتفقون جميعاً على أن هذه الحرب هي دخيلة على المجتمع البيلاروسي، على عكس الروس، بالرغم من الحملات الدعائية التي تُمارسها الوسائل الإعلامية البيلاروسية إلى جانب روسيا.

- السبب الثاني يكمن في سير الحرب والانتكاسات التي تتعرّض لها روسيا في الجبهات المفتوحة. بيلاروسيا ترى أن الاشتراك فيها غير مربح ولا تُحقق لها نتائج مالية أو عسكرية، وأثمانها عالية جدّاً.

لهذا يُحاول لوكاشينكو التهرّب من الالتحاق بالحرب على الرغم من النبرة الإعلامية العالية والخطابات التي يُلقيها والتصريحات، فهو يُساعد روسيا قدر المستطاع. وكلّ ما يملك بوتين على لوكاشينكو هو الضغط الاقتصادي بالدرجة الأولى نتيجة الحالة التي تعيشها بيلاروسيا المعاقبة من الغرب، لكن ما يوجع لوكاشينكو هي السلطة التي يُحافظ له بوتين عليها من السقوط الشعبي.

لذلك، لا بدّ من القول إن الغرب معني بعدم ادخال بيلاروسيا في مشاريع بوتين الخيالية من خلال تشديد العقوبات على مينسك من ناحية وفتح باب الحوار التدريجي معها من ناحية أخرى، لإبعاد لوكاشينكو تدريجاً عن آتون الحرب وتأمين مخرج ملائم له يُحافظ موَقتاً على نظامه وحاشيته.