هشام بو ناصيف

لماذا الديموقراطيّات أقوى

3 دقائق للقراءة

تورّط فلاديمير بوتين في مغامرة عسكريّة قبل سنوات في أوكرانيا بناءً على حسابات خاطئة، وكذلك فعل دونالد ترامب مع إيران قبل أشهر. كان يُفترض أن تنتهي العمليّة الخاصّة في أوكرانيا، كما أسماها بوتين، بعد أسابيع من إطلاقها، بسقوط العاصمة كييف في قبضة الجيش الروسي، وهروب الرئيس فلاديمير زيلينسكي إلى المنفى، واستبدال حكمه بنظام جديد متعاون مع الاحتلال. وكان من أهداف حملة ترامب على إيران تغيير نظام الملالي الذي هزّته الانتفاضات الشعبيّة ضدّه، وبات إسقاطه ممكنًا، أو هكذا بدا. في الحالتين، نحن نتحدّث عن حرب بين دولتين كبيرتين واجهتا خصمين أضعف عسكريًا، من دون أن تتمكّنا من تحويل الفارق في القوّة العسكريّة إلى نصر سياسي. في موسكو، كما في واشنطن، كانت الافتراضات المؤسّسة للحربين غير دقيقة.

ولكنّ المقارنة تتوقّف هنا. ذلك أنّ ضغط الداخل الأميركي على دونالد ترامب أجبره على وقف المغامرة بعد أن بات جليًا أنّ النظام الإيراني لن يسقط. المواطنون العاديّون تذمّروا من ارتفاع أسعار النفط. الحزب الديمقراطي التقط الإشارة وصوّب على الرئيس. الحزب الجمهوري تململ خوفًا من الانتخابات النصفيّة القريبة، ولو أنّه حزب الرئيس. والإعلام أفرد مساحات لمنتقدي الحرب. حراك المجتمع والمعارضة والإعلام في نظام حرّ وضع كوابح على حركة ترامب، فأوقف التصعيد أو فرمله. أسعار النفط اليوم عادت إلى ما كانت عليه قبل الحرب. عدد القتلى الأميركيّين فيها توقّف عند 13. بالتأكيد، الحرب ليست نصرًا للولايات المتّحدة، ولكنّها ليست هزيمة كبرى أيضًا. في نهاية المطاف، حرب ترامب الإيرانيّة ليست، بالنسبة إلى الولايات المتّحدة، أكثر من مغامرة فرملها بطلها قبل أن تتحوّل إلى نكبة لو طالت.

فكّر، في المقابل، في الحالة الروسيّة. منذ أشهر على الأقل، وربّما منذ سنوات، بات واضحًا أنّ بوتين لن ينتصر في أوكرانيا. الجيش الروسي خسر نصف مليون جنديّ قتيل، عدا عن مئات آلاف الجرحى. المواطن الروسي العادي ينتظر ساعتين أو ثلاثًا كل يوم في طوابير النفط قبل الحصول على حصّة محدودة منه. الدرونز الأوكرانيّة تضرب أهدافًا بعيدة آلاف الكيلومترات عن خطّ الجبهة. ما كان يُفترض أن يكون عمليّة عسكريّة خاطفة صار هاوية من دون قعر، تسقط فيها روسيا كل يوم أكثر. ومع ذلك، صوت الاعتراض خافت لأنّ النظام الروسي أوتوقراطي. أمّا وأن قدرة المجتمع على كبح الكرملين محدودة، فلا شيء يُلزم بوتين بوقف التضحية بموجة تلي موجة من الشباب الروسي على خطّ الجبهة، عل وعسى أن تحدث معجزة ما تقلب الصورة. وفي هذه الأثناء، يتابع الإعلام الروسي الموجّه ضرب وعي المجتمع ببروباغاندا نصر دائم تزيّن النكبة كانتصار، وحسابات بوتين الخاطئة كعبقريّة.

لذلك، الديمقراطيّات أقوى. لا لأنّها بلا عيب، أو حكيمة دومًا، بل لأنّ صراع النخب على السلطة فيها محكوم بقواعد تمنعها من الذهاب بعيدًا في مغامرات خارجيّة خاسرة. قدرة الطغاة على العناد أكبر. ولو منحهم هذا أحيانًا هامش مناورة أوسع، فغياب الكابح المجتمعي عنهم، في النتيجة، نقطة ضعف لا قوّة. ثمّ إنّ الرئيس الديمقراطي يخسر السلطة، ولا يخسر عنقه أو حريته. المسألة أكثر تعقيدًا مع الطغاة، وهذا يحفّز عنادهم في المغامرات الخارجيّة. لأنّ الاعتراف بالهزيمة إقرار بالضعف، ما يضرب صورة "الرجل القوي"، ويفتح أبواب التغيير السياسي. وهذا، بطبيعة الحال، ما يرفضه الطغاة حفاظًا لا على حكمهم فقط، بل أيضًا على حريتهم وأعناقهم.