رحل المفكر السوري المهندس الدكتور محمد شحرور، مساء أمس الأول (السبت) عن عمر ناهز الواحد والثمانين عاماً في دولة الإمارات العربية المتحدة، هو الذي كان طموحه، منذ انهماكه في إعادة قراءة القرآن مطلع عقد السبعينات من القرن الماضي "أن يرمي حجراً في مياه راكدة" تلك التي سماها الراحل التراث الذي أثقل كاهل العقل لدى العرب والمسلمين.
لم يكن انهماكه في دراسة الهندسة، وافتتاحه مكتباً استشارياً في دمشق، ليفصله عن انهماكه في البحث الفكري، بل ربما حفّز لديه التفكر العلمي في مقاربة الدين والنص القرآني على وجه التحديد بمنهج جديد، فشحرور يقول في إحدى مقابلاته، إنه لم يقتنع بالشيوعية حين كان طالباً في الاتحاد السوفياتي، لكنه يقر بأنه كان عاجزاً في ذلك الحين كمؤمن بالاسلام عن مجاراة ما قدمته الماركسية.
ربما اختصر الراحل شحرور المنهج الفكري الذي سلكه في قراءة النص الديني، بما سمي نكسة عام 1967، إذ قال، "هي المحطة الأولى التي دفعتني للاستقصاء أي نكسة 1967، فبين متديّن حمّل النساء الكاسيات العاريات وزر النكسة، ويساريّ حمّل الصلاة والصيام هذا الوزر، كان لا بد من البحث عن الخلل في العقل العربي، لكن حتى العام 1980 كنت أدور في فلك المسلّمات التي نشأت عليها لذلك لم تؤت هذه المرحلة أيّ ثمار، وتبين لي أني أسير في طريق مسدود، إلى أن أعدت البحث بتجرد، واستطعت أن أرمي بعبء التراث عن كاهلي، فوصلت إلى إصدار كتابي الأول "الكتاب والقرآن" العام 1990".
هذا الكتاب هو الذي أحدث جدلاً واسعاً، وأثار في وجه المفكر شحرور، سلسلة اتهامات، وردوداً وصلت إلى حد اتهامه بالزندقة والتآمر على الإسلام.
لكن الراحل شحرور الذي كان يصوّب على العقل العربي، رأى "أنّ التغيير لا بد أن يطال العقل العربي بتركيبته، فهو في وضعه الحالي عاجز عن إنتاج المعرفة إذ يحتاج إلى الدقة، بينما هو عقل ترادفي يعتمد على الخيال بدليل أن القرن الماضي أنتج ثلاثة آلاف شاعر عربي ولم ينتج عالماً واحداً، لأن الشعر لا يعيبه الترادف ولا الكذب ولا الخيال، بينما لا ينطبق هذا على العلم".
وصف شحرور العقل العربي، بأنه "قياسي يحتاج لنسخة أصلية يقيس عليها، فهو غير قادر على الابتكار" وأضاف إلى ذلك "عقل يعيش تحت سقف فكرة الحلال والحرام والمسموح والممنوع، وسبب واحد من هذه الأسباب يجعل أيّ عقل عاجز عن إنتاج المعرفة، فما بالك بها مجتمعة، وطالما نحن مستهلكون لا منتجون سنبقى في ظلمتنا".
الحرية بمفهومها العميق شغلت المفكر شحرور، الذي تصدى بأدوات المعرفة لجذور الاستبداد، وهو منذ بدايات الثورة السورية في العام 2011، كان له موقف واضح من أنّ "الاستبداد السياسي في سوريا، هو ما أوقف التطور السياسي للمجتمع طيلة 35 عاما".
للراحل شحرور أكثر من عشرة مؤلفات تتصل بقراءة الإسلام والنص الديني وفي نقد التراث أبرزها كتابه المرجع (الكتاب والقرآن – قراءة معاصرة) الذي صدر عام 1990، (الدولة والمجتمع) العام 1994، و(الإسلام والإيمان – منظومة القيم) عام 1996.
في قراءته النقدية لبنية العقل العربي، المتحكمة بنظم المعرفة، والعقل الجمعي، انها تنظر إلى سيرورة التاريخ باتجاه معاكس، ولذلك هي عصيّة على التغيير، إذ تعتبر أن السلف أكفأ من الخلف بكل نواحي الحياة، وحلمها العودة إلى الماضي دون النظر إلى المستقبل، وهذه الآبائية أعاقت التطور، والقمع لن يولّد إلا مزيداً من التمرد"...