يستعد عالم المزادات العالمي، بعد أقل من شهر، للتنافس على حيازة عمل شهير للفنان الهولندي بييت موندريان (1872-1944). والذي يرى إلى هذا العمل، وغيره الكثير مما يشبهه، تصيبه الدهشة أمام توقع الملايين من الدولارات في عملية التنافس. ومبعثُ الدهشة يتأتى من أن أعمال موندريان لا "موضوع" لها، ومع ذلك تستدعي التنافس، ما هو جديد في عالم المزادات.
من يفحص عملَه يرى أنه عملٌ بسيط : يتألف من أشكال هندسية ذات زوايا، ومن ألوان. ومع ذلك، هذا العمل مختلِف ومفاجِئ. فلو تأملَ الناظرُ في شكل هذه اللوحة، لوجد أنها غير متوازنة وفق منظور تقليدي. فلو نظرنا إلى جانبَي اللوحة، بين يمينها وشمالها، للاحظنا أنها غير منتهية الحدود، بخلاف ما يَظهر في أي لوحة كلاسيكية، أو انطباعية، حيث ينتهي الموضوع المعالَج في اللوحة عند حدود إطار اللوحة نفسه. ومن ينظر إلى أشكال اللوحة من الجهتين العليا والسفلى، سيجد أنها متمادية خارج النظر، ولا "تنتهي" بدورها عند حدود الإطار، ولا "تكتمل" و"تتوازن" بالتالي.
إن هذا التعداد تقني، ولا يجعل العمل الفني "مقبولًا" بالضرورة. فهو عملٌ لا تُفهم "ريادته" إلا إذا علمنا أنه أرادَ "القطعَ" مع تاريخ الفن التشبيهي : الفن لا يقوم على تصويرِ وجهٍ، أو منظر، أو واقعة؛ وإنما في إمكان الفن أن يكتفي، من تاريخه، باللون وبالشكل. فما كان يقوم عليه الفن الكلاسيكي قام على "الإجادة" في تصوير ما "يصدِّقُه" المتلقي، فيما نحا الفن، مع موندريان وغيره، صوب صيغة أخرى : يكون الشكل جميلًا في حد ذاته، في تشكلاته المبتكرة، كما يكون اللون جميلًا في حد ذاته، إذ يصبح "قيمة" قائمة بنفسها، ويكون جميلاً في تعاكسات الألوان وتوافقاتها في ما بينها.
هكذا بات جمال اللوحة قائماً في عناصر بنائها، لا في ما تحيل إليه خارجها، ويتوهم المتلقي أنه قد عرفها. فالشكل لم يعد شكلَ أنفٍ أو عينٍ، وإنما بات شكلًا عموديًا، أو متعامدًا، أو مزوَّى، ما يولِّد جمالات بصرية وبنائية مبتكَرة. كما لم يعد اللون صفةً لوجهٍ أو لأنفٍ، أو غطاءً خارجياً له، وإنما بات اللون معطى بصرياً، تتلقاه العين وتَسعدُ به مثلما تلقى لونَين في وردة. بات الشكل، مع موندريان، لا يخدم "موضوعاً" ويؤديه، وإنما أصبحَ هو الموضوع. وكذلك اللون بات عنصرَ دهشةٍ ومتعة... هكذا باتت أدوات الفن، بتصرف موندريان، في خدمة الفن، في إنتاج فن مغاير ومتجدد.
ما بنى به موندريان اللوحة، استقاه من نظريات علمية مزامنة له، لكنه سعى أيضاً إلى إبراز جماليات معروفة في الشعر، مثل جماليات الصوت أو اللفظ أو الصورة في حد ذاتها. فاللوحة حاصلٌ جمالي، تنشأ من تربية متجدِّدة، لكنها تُسهم فيها بدورها، إذ يستطيع الفن المتجدِّد غسلَ عيوننا من جديد، ولكن وفق ثقافة جمالية متراكمة، تتحصلُها العين وتختزنُها ابتداءً من تربيتها، ومن تذوُّقِها المتمادي لِما يمكن أن نسميه : "تربية العين".