أما وقد وصلنا إلى إنجاز ترسيم الحدود البحرية مع «العدو الغاشم»، وهو الاتفاق الذي يتفوق في قاموس المتاجرين به على الانتصار الإلهي، فقد أصبح بإمكان «حزب الله» أن يدعو رسمياً بقايا الدولة المهلهلة للإنضمام إلى ملكوته.
شروط الانضمام تتوالى تباعا على لسان مسؤولي الحزب. وأولها تقديم فروض الطاعة والتماس الحماية والإقرار بالوصاية وبمصادرة السيادة.
والأهم اعتبار مجلس النواب نادياً بإدارة صارمة، تقتضي عضوية من فيه الانصياع لهذه الإدارة. أما ترف تطبيق الدستور، فهو ممنوع منعاً باتاً.
فالدستور في المجلس النيابي اللبناني بوجود الحزب وحلفائه، ليس أكثر من فولكلور بائد، لا بأس بالتزمير به في متن نص الدعوة إلى جلسة ما... حيث عبارة «اللباس رسمي» تدرج في زاوية شبه مرئية يجب الانتباه لها على ورقة الدعوة.
الدستور هو اللباس الرسمي فقط، أما المتن المتعلق بماهية الدعوة وما يجب تداوله في النادي، فله تسمية أخرى تماماً، مصطلح يسمى «التوافق»، مراعاةً ومواربةً. وهو في الحقيقة إذعان وإرغام.
الإملاءات واضحة، وهي تدرج تحت خانة تسمية رئيس «يقر بالمقاومة ويحترم المقاومة». ولا سبب للاستغراب. فالشيطان الأكبر «يقر بالمقاومة ويحترم المقاومة»، وأكثر من ذلك يتفاوض مع هذه المقاومة من تحت الطاولة، ويخلص إلى إعلان نتائج الرضى والقبول التي أرست اتفاق الترسيم البحري للحدود بين لبنان و»العدو الصهيوني الغاشم» بما فيها من تنازلات وتكريس للاستقرار من خلال الضمانات الأمنية، ناهيك عن باب الشراكة الاقتصادية بصيغة تطبيع غير معلن. فقد أصبح مفتاح بوابة التعامل مع الأميركي بيد الحزب، ومن خلفه مشغِّله الإيراني وفق تقاطع المصالح بين إيران والولايات المتحدة، والتي بدأت تبرعم.
لذا لا يتم التداول بأولويات «التوافق» في حارة حريك، بل في طهران، وفي ضوء ما يجري من بحث ونقاش لترتيب المصالح الإيرانيّة سواء لجهة تصاعد الدخان الأبيض من فيينا لجهة مفاوضات الملف النووي، أو لجهة النفوذ المتصاعد أصلاً، في كلّ من العراق، وسوريا، ولبنان، والخليج.
حارة حريك تتبلغ ثم تنفذ. وهي دقيقة في التنفيذ. لا تتسامح ولا تتهاون.
وبناء عليه، يجب على أعضاء النادي العمل لتلميع «New look» للحزب بما يلائم الأجواء المناسبة، لتصبح مصادرة السيادة وشرعنة السلاح غير الشرعي لزوم ما يلزم.
ويجب على أعضاء النادي القبول برئيس يتم تعيينه لأنه «يحقق مصلحة البلاد ولديه رِكب، ولا يأمره الأميركي فيطيع، بل يطيع المصلحة الوطنية».
طبعا!! فبعد الترسيم، أوامر الحزب الهية هي التي تحدد ما يسمى «مصلحة وطنية» وتكمن في القبول بسلاح خارج الدولة، مهمته أن يحمي المنظومة وفسادها لتعطيه صك براءة في مصادرة السيادة.
صحيح أن وظيفة هذا السلاح تتغير وتتبدل مع تعاقب الفصول، وبما يخدم بقاءه لحاجة المشغِّل الإيراني له في أكثر من موقع.
لكن الأصح هو أن لا شرعية شعبية تحمي الحزب، إذا ما غاب السلاح.
هذا اليقين بافتقار «حزب الله» إلى تأييد شعبي لبناني، يجعله لا يستغني عن السلاح ويسلمه للجيش اللبناني. وهذا اليقين يتأكد في كل مرحلة. ويرغم الحزب على استخدام سلاحه، سواء ميدانياً، او من خلال الاستقواء به على الشعب اللبناني ليفرض إملاءاته.
بالتالي، على أعضاء نادي المجلس النيابي التخلي عن الأوهام القاضية بانتخاب رئيس وفق الدستور.
في الأساس، ولولا الحياء والعيب لتم شطب كلمة «انتخاب» واستبدالها بكلمة «تعيين»... وذلك بعد جلجلة مرتقبة من التعطيل المصحوب بفراغ متخم بالأزمات المعيشية والأمنية المفبركة والمتناسلة من مشروع تغييب الدولة والمؤسسات المتواصلة فصوله.
تلك هي أولويات «التوافق»... أما عن التنفيذ فنحن بانتظار «اقتناع» من «يتحدى» بأن الصفقة نضجت، وعليه استلحاق نفسه والخضوع... وإلا يصبح عضواً غير فاعل في النادي مهما كان حجم كتلته.