من أين تأتي الكتابة ومن أيّ نبع تتدفّق؟ في أيّ المناطق المُعتمة تتكوّن قبل أن تخرج إلى النور؟ وهل الخسارة دعوة إلى الإبداع؟ من هذه الأسئلة، انطلق الكاتب الفرنسي بوريس سيرولنيك، المتخصّص بالطبّ النفسي وعلم الأعصاب، في كتابه الصادر حديثاً عن دار "أوديل جاكوب" الباريسيّة تحت عنوان "سأكتب شموساً في الليل".
يرصد الكتاب العلاقة بين الكتابة والكتّاب الذين عانوا من طفولة بائسة حين وجدوا أنفسهم يتامى، متروكين ووحيدين، ولم يحظوا بالعناية اللازمة، أو عُثر عليهم بالقرب من سلّة مهملات. جان جونيه كان أحد الأسماء التي ركّز عليها الكتاب وكشف كيف واجه، من خلال الكتابة، الخسارة التي لحقت به. فهو لم يعرف أبويه وتخلّت عنه أمّه وهو في شهره السابع، وعاش الشقاء والتشرّد والعزلة. كان الطفل غير الشرعيّ مسكونًا بخوف متأصّل من الواقع ومن الآخرين. وعندما تعلّم الكتابة والقراءة، راح يختبئ وراء الكتب ويحتمي بها، كأنّ كلّ كتاب منها عود ثقاب مشتعل في حكاية "بائعة الكبريت". كانت الكتابة الجسر الذي عبره من عالم السرقة والسجن إلى عالم آخر أصبح فيه واحدًا من الكتّاب الأساسيين في القرن العشرين وأحد مناصري القضايا الإنسانيّة العادلة، وفي مقدّمها القضيّة الفلسطينيّة.
لكن، إذا كان جرح الطفولة هذا يمثّل أحد ينابيع الكتابة، فثمّة ظروف أخرى تشكّل التربة المؤاتية لتفجّر تلك الينابيع. عندما تندلع الحرب، في أيّ بقعة من العالم، يشعر المرء بأنّ الأرض لم تعد تدور، بل تهتزّ، على شَفا سديم. وحين يأتي الفَقد والغياب، يحاول الكاتب أن يغطّيه ويملأ فجواته بالكلمات. يكتب للغائب ويستحضره. يقول رونيه شار: "توقّفنا عن الكلام مع الذين نحبّهم، وهذا ليس بالصمت".
بعض الكلمات يَقتل وبعضه الآخر يضمّد الجروح. الصروح الأدبيّة المبنيّة من أحرف تساعد على التهرُّب من أهوال الواقع، تمسك بقرنيه وتحاول أن تلويهما لتجعل الحياة ممكنة ومحتملة. بل، أكثر من ذلك، لتستخلص الجمال من الحزن، كما في "مراثي دوينو" لريلكه، أو أيّ عمل أدبيّ وفنّي ناجح.
تصبح الكلمات، أحياناً، ملجأً وعزاء، وتُحلِّق، أحياناً أخرى، فوق هاوية مشتعلة فيما تؤدّي دور المُنقذ. ألم تراهن شهرزاد، أثناء بحثها عن الخلاص، على الكلمة؟ في حكاياتها التي تستقي من التاريخ والأسطورة، ومن الشعر والأمثال والحِكَم، ألم تستطع أن تروّض - ولو على المستوى الرمزي فحسب - النفسَ الشرسة المتوحّشة؟ الكاتب الإسباني خورخي سامبران الذي اعتُقل مع عدد من الشيوعيين في معتقل "باشنفالد"، في الأربعينات من القرن الماضي، حاول هو أيضاً أن يطرد الموت بالكتابة، وهذا ما يتجلّى في كتابه المُعَنوَن "الكتابة أو الحياة" الذي يحكي تجربته في المعتقَل والرغبة الغامضة في البقاء على قيد الحياة. "لقد دفعتُ الثّمن وأنفقتُ حصّة القتل التي أحملها في نفسي"، يقول. في هذا السياق، نقرأ كتاب "ذكريات من منزل الأموات" لدوستويفسكي الذي عاش تجربة مماثلة يوم كان معتقلاً ومنفيّاً في أقاصي سيبيريا. بعض ما وصفه الكاتب الروسي في كتابه هو صورة لسجون لا يزال يرزح تحت عنفها المروِّع قسم من العالم العربي، وتعاني منها، حتى الآن، أوطان يعيش فيها ملايين البشر.
الحياة في بعض الكتب أجمل من الحياة في الواقع. ولو كانت الحياة وحدها تكفي، لما كان ثمة حاجة الى الكتابة والفنّ واجتراح عوالم بديلة وحيوات أخرى أكثر رحمة، وإلى الخروج من "الأوجاع الشخصيّة" التي أشار إليها أنسي الحاج في قصيدته "العاصفة".
من الطفولة تبدأ الكتابة، وفي مناجمها تولد الأحجار الكريمة الأولى، ثمّ، شيئاً فشيئاً، من تَنَفُّس الحلم والواقع. أمّا الطفولات الجريحة فتتحوّل، عبر الأدب، إلى ضوء ساطع لا يعود معه الظلام لونَ العالم ورداءه الأوحد.