"ما من ضحية مثالية"! يجد معظم الناس صعوبة في تذكّر هذه الكلمات الأربع المحورية. لكنّ بطلات قصة Bombshell (قنبلة) للمخرج جاي روش لَسْنَ بريئات بأي شكل! هنّ ثلاث مذيعات أخبار مثيرات للجدل، ومن المعروف أنهنّ شخصيات قمعية ومُخبِرات في آن. صحيح أن الفيلم يقدم أداءً تمثيلياً لامعاً وأفكاراً حذقة (منها الدعوة إلى إجراء تحقيقات في قسم الأخبار عن ثقافة الاغتصاب السامة في "فوكس نيوز")، لكنّ عرض الأحداث يتعثر عموماً بسبب الغموض الأخلاقي لتلك الشخصيات.
على مر الفيلم، يتنقل المخرج روش وكاتب السيناريو تشارلز راندولف (من أعماله The Big Short (النقص الكبير) و Love & Other Drugs(الحب ومخدرات أخرى) بين ثلاث وجهات نظر محورية: "ميغان كيلي" (تشارليز ثيرون) و"غريتشن كارلسون" (نيكول كيدمان) و"كايلا بوسبيسيل" (مارغو روبي) في معركتهنّ ضد مدير "فوكس نيوز" "روجر إيلز" (جون ليثغو). في معظم لحظات الفيلم، تُستعمَل حِيَل بصرية شبيهة بفيلمَي Vice (الرذيلة) أو The Office (المكتب)، فيستخدم المصور السينمائي باري أكرويد لقطات جانبية ومُقرّبة. وعند تجسيد النساء اللواتي يصمتن خوفاً من أي ردود انتقامية محتملة، يتكل أكرويد أيضاً على تقنية "كسر الجدار الرابع" ومشاهد التحرك تزامناً مع سرد الأحداث والتعليقات الصوتية على شكل مناجاة داخلية للكشف عن الحقائق الخفية.
لتحقيق هذه الغايات، يظهر "إيلز" (مدير "فوكس نيوز" السابق وصاحب السمعة السيئة) بدور الرجل الشرير. لكن يبذل روش قصارى جهده لإضفاء طابع إنساني على شخصيته، ولو عن غير قصد. على بعض المستويات، يظهر هذا الرجل كشخصية مأسوية أو ضحية بيئة العمل السامة التي أنشأها بدعمٍ من رئيسه "روبرت مردوخ" (مالكولم ماكداول). يصلنا هذا الشعور أيضاً عبر تمثيل ليثغو المؤثر، فهو يقدم أداءً مدهشاً رغم تغير ملامحه بسبب المكياج على وجهه. مع ذلك، تبقى أفعال "إيلز" مشينة ومثيرة للاشمئزاز، فلا تُخفف النفحات الحزينة في قصته وقع تصرفاته. يقدّر هذا المدير قيمة الوفاء، ولا يمكن إثبات الوفاء "الحقيقي" برأيه إلا بطريقة واحدة: الجنس.
سرعان ما يتعرض للهجوم على خلفية سلوكياته المريعة من بطلات القصة الثلاث. في واحد من أكثر المشاهد رعباً، تريد "بوسبيسيل" أن تصبح مذيعة فتقرر مقابلة "إيلز" وجهاً لوجه. في معظم أحداث الفيلم، تتسم شخصية "بوسبيسيل" بدرجة مفرطة من الاندفاع. لكن عندما تقابل "إيلز" في مكتبه، تضطر لإثبات وفائها. يطلب منها المدير أن ترفع تنورتها ببطء، فتنقل الكاميرا حجم الانزعاج في المشهد عبر لقطات مقربة لتعابير الخوف على وجهها واستعداد "إيلز" للهجوم. تبدو شخصية مارغو روبي سطحية في معظم لحظات الفيلم، لكنها تواجه في هذا المشهد بالذات معضلة مريعة وتنقل مشاعرها بطريقة مبهرة!

لملء الفراغات في فيلم روش، يظهر ممثلون ثانويون مثل كايت ماكينون بدور صديقة "بوسبيسيل" المقربة (دورها أقل جنوناً من أدائها في برنامج Saturday Night Live)، وريتشارد كايند بدور "رودي جولياني"، وأليسون جاني بدور محامية "إيلز"، وجينيفر موريسون بدور شاهدة أساسية. باستثناء موريسون، تعطي معظم الشخصيات الثانوية نفحة مضحكة لتجسيد أجواء الجهل السائدة في هذا القطاع. ورغم المشاهد المزعجة في Bombshell، تبرز انتقادات لاذعة لتلك الآراء الرجعية. لكن ما من توازن كافٍ بين الكوميديا والنواحي الأخلاقية للموضوع المطروح، بل يبدو الفيلم أشبه بحلقة من مسلسل Veep(نائبة الرئيس)، لكن من دون تعليقاته الذكية.
لا يتخذ الفيلم منحىً استقصائياً حقيقياً إلا في تجسيده للثقافة السامة السائدة في قسم الأخبار داخل "فوكس نيوز"، فيكشف أن أماكن عمل أخرى تشوبها التصرفات المشينة نفسها من جانب شخصيات نافذة وبغيضة، ويؤكد على تحول التحرش الجنسي إلى جزء من مواصفات العمل المطلوبة، فيما يصبح الموظفون شركاء في الدفاع عن مؤسسة تُشوّه صورتهم بأسوأ طريقة. باختصار، تتطور أي ثقافة سيئة بتواطؤ أكثر الأشخاص عرضة لمساوئها.
لكن حتى في أفضل اللحظات، يستعمل الفيلم معايير مزدوجة في تقديم شخصيتَي "ميغان كيلي" و"غريتشن كارلسون". تحاول المرأتان طوال الوقت تشجيع النساء من حولهما على التكلم لإسقاط "إيلز" رغم تأثيره القوي على موظفات أخريات في القناة. صحيح أن المرأتَين وقعتا ضحية أفعال المدير المشينة، ولا يمكن تبرير ذلك بأي شكل، لكنهما شاركتا أيضاً في سياسات وتقارير ضارة أخرى في "فوكس". يبذل روش قصارى جهده لطمس جزءٍ من عيوب "كيلي" و"كارلسون"، فيُركز بشكلٍ أساسي على تقرير "كيلي" المدروس حول دونالد ترامب ودورها في إسقاط "إيلز". لا يخفف المخرج تركيزه على إيجابيات الشخصيات الرئيسة في أي لحظة، وهذا ما يُضعِف قيمة العمل. وعلى غرار Vice، يعرض روش أداءً تمثيلياً مدهشاً وكوميدياً ممتعاً، لكنه لا ينجح في تحقيق هدفه الأصلي بتقديم فيلم وثائقي تاريخي بمعنى الكلمة.