"بسري" تصرخ: أبعدوا عنا هذه الكأس!

السدّ- الأزمة أو السدّ- الحلّ

بين "حانا" و"مانا" تعيش بسري، القرية الغائرة في حنايا صخرة حفرت مساكنها بحرصٍ شديد، كمن يحفر الصخر بإزميل، وبين "السدّ" أو سدّ الأفواه قرّرت الصراخ. لا لسدّ بسري... فهل بسري وجيرانها على حقّ؟


صورة النائب زياد أسود تُنبئُنا بدخول قضاء جزين. نعبر لبعا، عين المير، كفرفالوس، أنان، قتالي، مزرعة المطحنة وصولا الى بسري. هنا، في هذا المحيط، صُنّف وجود أكبر حرج زيتون في الشرق الأوسط. أشجارُ الزيتون على "الميلين".

عرائش عنب كثيرة وأشجار سنديان وصنوبر وبلوط في كل مكان وكثير من تماثيل العذراء، وصلبان خشبية مغروزة في الصخور وقديسون. نرسم شارة الصليب ونتابع.

كلما اقتربنا من بسري تضيق الطريق أكثر، وتغور الأرض بين الجبال الخضراء، ويبرز "شير الجوبي" المطلّ بكثافة أشجاره على بساط مرج بسري. ننحو بمركبتنا الى اليسار، بالقرب من تمثال مارالياس، ونتابع نزولاً. آرمة تنذر: "ممنوع دخول وتجوّل باعة الخردة تحت طائلة المسؤولية". دير المخلص على اليسار وبسري على اليمين. ننعطف يمينا. المقابر مشيّدة بالقربِ من الطرقات العامة، وصورة البطريرك مذيلة بعبارة لها، في الأرجاء، ترددات: "لقد قلنا ما قلناه...". قليلون يعرفون بسري، وكثيرون سمعوا بسدّ بسري، والأرض وحدها كفيلة بتفسير ما قيل ويقال بحق بسري وما يُضمر لها. آرمة ثانية تُحدد جغرافية المكان: "تعلو بسري عن سطح البحر 400 متر وتبعد عن بيروت 60 كيلومتراً.

آرمة ثالثة ورابعة وخامسة تُحدّد الآفاق: هنا سيقام السدّ... هنا السدّ- الأزمة أو السدّ- الحلّ؟

فلنبحث...

الأراضي الخضراء بدأت تتحول بوراً، الأشجار اقتلعت من بساتين كثيرة، والطرقات الجميلة المظلّلة بالخضار تمتلئ أكثر فأكثر بالحصى. ثمة أشغال وراء حاجز يقطع الدرب. نقترب أكثر من الحاجز. نعبر أمام مطرانية صيدا المارونية. مقابر من جهة اليمين وأشجار ليمون كثيرة الى اليسار. الكلام ممنوع والتصوير ممنوع. نتبع نصيحة أحدهم ونتكئ على شجرة تبعد أمتاراً ونلتقط صورة للمعبر الفاصل بين منطقة سد بسري والبسراويين. كلبٌ أبيض كبير يرخي جسده في فيء مستوعب مجاور.

وهناك، في الأرجاء، من يهمس: صدر القرار ببدء التنفيذ. همسٌ يُقلق ناس بسري ويجعلهم لا ينامون. وكيل مطرانية صيدا المارونية مارون راشد واقف على مسافة قصيرة من الحاجز.

هنا المطرانية. عينا مجسم سيدة بسري العجائبية في اتجاه موقع السدّ. وعينا مارون الى ما وراء الحاجز ويقول: "إنهم يقضمون أرضنا التي ورثناها عن أجداد أجدادنا، وهي تختزن كثيراً من المعابد والآثار التي نبشها الفرنسيون، حين أتوا بعثة الى لبنان. إنهم يبلعون الأرض ويستملكون الحقوق ومن يعترض يرسلون اليه مال الإخلاء الى وزارة المال. هو حكم القوي على الضعفاء". أشجار السنديان أغلى من شجر الزيتون! أربعون ألف ليرة دُفعت ثمن استملاك المتر المربع الواحد ثم تقرّر دفع البدل العادل لكل شجرة زيتون مقتلعة وكل سنديانة.

فسُعّرت الزيتونة المثمرة بمبلغ 450 ألف ليرة والسنديانة البرية سعّروها بمبلغ 750 ألف ليرة. أمرٌ أثار استغراب الأهالي الذين طالما أيقنوا أن ما هو مثمر أغلى، أو يفترض أن يكون أغلى، من شجرة غير مثمرة! ستون دونماً من أراضي بسري استُملكت. بستان الليمون في جوار المطرانية "قُبعَ" جزء كبير منه. استملكوا أراضي مملوكة من مطرانية صيدا المارونية، "غصباً عنها"، والمطران مارون العمار قال "ما فينا نعمل شي".

إستأنفت المطرانية القرار وحصلت على 60 ألف ليرة بدل أربعين ألفا ثمن المتر المربع الواحد لكن قرار الإستملاك تمّ. يُخبر وكيل المطرانية، الرجل الطيّب، هذا بألم وخوف من ضبابية أيام آتية. المشاريع الجديدة يفترض أن تكون آفاقا جديدة لكنها في لبنان "سدودا" تُقفل طموحات! قبالة كنيسة سيدة بسري العجائبية يقع دير المخلص. الكنيسة في قضاء جزين والدير في قضاء الشوف ومرج بسري، المصنف محمية، فاصل بينهما. كنيسة السيدة بنيت العام 1252 وهي مبنية على عمود واحد ويُحكى في بسري عن رجل "متوالي" بناها، ويروون عن "مواطنين شيعة كانوا يسكنون في تلك البقعة قبل أن يغادروا، إثر خلاف مع الدروز، ويأتي الموارنة".

عائلات بسري اليوم بغالبيتها مارونية من آل راشد وعساف ونمر وسليمان وبولس وسلامة. أما مدرسة بسري الرسمية الوحيدة في البلدة فأقفلت قبل أعوام عدة. والأولاد يتعلمون اليوم في دير سيدة مشموشي قرب بكاسين وهو تابع للرهبنة المارونية، أو في دير المخلص الواقع في قضاء الشوف منطقة إقليم الخروب والمطل على وادي نهر الأولي. نائيةٌ جدا هي بسري. سكانها طيبون.

والمسنّون فيها يتذكرون جيداً زلزال 1956. بطرس نمر، الرجل المسن، المنهمك في "تقليم" شجرة "الكارونيا" ذات الرائحة الزكية يبدأ سرد ما يُفكّر قبل أن يُسأل حتى: "أخذوا الرزق والزيتون والبساتين وخربوا الأرض التي عانت الويلات قبل 63 عاماً بفعل الزلزال الذي اقتلع ضيعاً عن بكرة أبيها"، ويدل بإصبعه الى الأمكنة التي مرّ فيها الزلزال المدمّر: "طلع من "الشير"، من شير الجوبي، ونزل في اتجاه بسري وشرّد وقتل وعاث خراباً، ويومها سكن الأهالي الأراضي المنبسطة، المسماة اليوم المرج، وأعادوا زرعها بالزيتون والليمون وبحثوا عن أرضٍ يسكنونها من دون أن تتأثر مساحة الأراضي الزراعية بهذا، فاختاروا صخرة، حفروها، وبنوا بيوتاً مبعثرة عليها، وأمس، منذ وقت قصير، باتت المركبات قادرة أن تعبر إلى البيوت لكن بصعوبة". 45 منزلاً تُشكل بلدة بسري. طبعا لا بلدية فيها.

وهناك مختار واحد اسمه رشيد مسعود نمر. ولا عمل للقاطنين سوى الأرض واليوم تُسحب الأرض من أهاليها، بحجة الإنماء والإعمار، معيدة الى الأذهان صورة الزلزال الكبير الذي لم يؤثر على بسري وحدها بل على قرى وبلدات كثيرة تمتد من جزين الى البحر. ناشط قَضَم أذن ناشط "بال" كلود، الناشط في المنطقة، مشغول على المصير.

وهو يعرفُ جيدا رولان نصور، الناشط البيئي، الذي قضم عماد بعيني جزءاً من أذنه. نطمئن من رولان على "دينتو" التي بدأت الإلتئام لكنها مشوهة. ونسألهما عن سبب ما حدث وأسباب ما يحصل؟ عماد بعيني كان يبدو في صفِّ رافضي بناء السدّ، الى جانب رولان وكلود، وهو ينتمي الى الجهة الجغرافية المقابلة، الى إقليم الخروب، وهو ينام ويستيقظ في المرج، ويوم قرر البيئيون التظاهر رفضاً لبناء السدّ من جهة إقليم الخروب لا من جهة بسري في قضاء جزين "قفز عماد على رولان يعاونه أربعة شبان وقضم له أذنه قضمة واحدة". أتتخيلون؟ يسأل كلود هذا مضيفا: "نحن نعجز أحياناً عن قضم خيارة أما هو فقضم أذناً"! غريبٌ حقاً ما حصل! في مجلس الإنماء والإعمار تتكرر التوضيحات التطمينية لكن الناس لم يقتنعوا وما زالوا في حالات ذعر! والبيئيون، يساندهم الأهالي، يعلنون: نحن أو هم! التجارب السابقة المشابهة تشي أن الدولة ستمشي بمشروع السدّ الذي أُمّنت تمويل أعماله من البنك الدولي، بموجب مؤتمر "سيدر".

الدولة لن تتراجع. الأهالي في قرارة أنفسهم يعرفون هذا لكنهم كمن يريد أن يُحمّل، بصوتٍ عالٍ، الدولة مسؤولية ما قد يحدث من تغيير جيولوجي أو في النسيج الإجتماعي! البيئيون يحاولون من جهتهم تحذير الدولة. هذا دورهم. أما الدولة، بالنسبة الى الخبراء والمواطنين، فمستفيدة! نسألهم كيف؟ كيف تستفيد الدولة من هذا السدّ؟ رولان نصور، الذي يدعو الى انتظار مفاجآت قريبة في هذا الملف، يتحدث عن "مصالح ومحسوبيات ومنافع في الملف تلاقى حولها عدد من السياسيين. ثمة أموال باهظة مصروفة لهذا المشروع. وثمة رمول وإسمنت وصخور وأشجار زيتون بملايين الدولارات يتم الإستيلاء عليها. هناك نوع من توزيع الحصص في هذا المشروع الذي يُعدّ الأكبر في الدولة اللبنانية "وخدوا ع سرقات".

تريدون معلومات أدق؟ يسأل نصور هذا السؤال ويُتبعه بجواب: "إبحثوا عن اسم صاحب شركة الأمن التي تتولى أمن موقع السدّ. وليد صافي، مفوض الحكومة في مجلس الإنماء والإعمار هو من يتولى هذه المهمة". الشاب ميلاد راشد متعلق جداً ببسري ويتحدث عنها كمن يتحدث عن حبيبة. هو يُشارك في كل التحركات المعترضة على بناء السدّ ويُخبر: "جلتُ في كل لبنان لكني لم أرَ مثل تلك الأعمدة الرومانية التي رأيتها في المرج".

ويستطرد: "توجد في المرج آثار قلعة تحت الأرض توازي قلعة بعلبك". القطط كثيرة في أرجاء البلدة المبنية في الصخر والأفاعي أيضا كثيرة. أفعى "عقد الجوز" تلوح برأسِها. والأهالي يعرفون كيف يتعاملون معها. لكن ما يجهلونه حتى اللحظة كيف يتعاملون مع الدعاة الى مشروع، الخوف منه كبير! مواطنو بسري من مختلف الإنتماءات السياسية لكنهم جميعا، على اختلاف انتماءاتهم، يثقون بالنائب ابراهيم عازار الذي ينتمي الى كتلة التنمية والتحرير وهو سعى، لدى الرئيس نبيه بري، الى عقد جلسة تجمع الطرفين، معارضي المشروع والداعين إليه، وتقرر عقد جلسة ثانية. لكن الجلسة الثانية لم تعقد بعد.

ويقول كلود حبيب: "نائبا جزين زياد أسود وسليم خوري يفعلان ما يريده جبران (وزير الخارجية جبران باسيل): "كلوا بياكلوا... ناموا بيناموا"! أعطت المنطقة، في الإنتخابات النيابية الأخيرة، غالبية أصواتها الى ابراهيم عازار، نحو 6000 صوت، وأعطت بهية الحريري صوتاً واحداً، وأعطت "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحرّ" مناصفة، لكن سليم خوري نجح بالصوت التفضيلي. وأمل أبو زيد نزل مع التيار وحجز مطعم الريف للناخبين الذين تناولوا الغداء وصوتوا لزياد أسود و"القوات".

وبالتالي، في كل هذه المعمعة الإنتخابية والإنتماء غير الواضح، يعتبر النائب ابراهيم عازار نفسه أكثر المعنيين بكل ما يحدث في بسري. حالُ ناس بسري والجوار في هذه الأيام كما حال الإنتخابات النيابية الفسيفسائية! وكلامُ الأهالي يتكرر كما أسطوانة إبريق الزيت: "جبران قابض حقنا".

ويقول كلود حبيب: "نتصل لنأخذ موعدا من وزير البيئة فيجيبون: وماذا تريدون منه؟ نخبرهم. فيقفلون الخط في وجوهنا". ماري دومينيك، ناشطة هي أيضا ضدّ السدّ وتتحدث عن تربة رملية، من جهة جزين، وسيؤدي الحفر فيها الى انزلاق الأرض والى انخساف، والخوف هائل من التغيير الديموغرافي ووجود 1000 عامل سيمكثون في بسري وسيصبحون، في عشر سنوات، من نسيج السكان. والبحيرة مكلفة وغير مجدية، لأن الأرض فيها "مثل السلة" ومياهها وسخة وتنظيفها يُكبدُ أموالاً باهظة، فالمتر المربع الواحد منها، بين فلترة وجرّ الى بيروت مسافة سبعين كيلومتراً، يكلف أكثر من خمسة دولارات، علما أن البدائل كثيرة. فهناك، تحت النهر الاولي، بحيرة أشبه ببحر فلماذا لا يستفيدون من مياهها؟". لماذا ولماذا ولماذا...؟

أسئلة العالم والبيئيين لا تنتهي، وهم يلتقطون المعلومات من هنا وهناك، ويسعون هنا وهناك من أجل إبعاد كأس السدّ عنهم. من يُقنعهم بالعكس؟ فلتكن مناظرة علنية. هذا مطلبهم. نغادر بسري بعد أن نتنشق عميقاً رائحة الورد و"ماء الزهر" في بقعةٍ ذات اخضرارٍ استثنائي. نلتقط صوراً للذكرى. فبسري تستعدّ للتغيّر و"التغيير" بحجة "الإنقاذ"!

يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.