رفيق خوري

جمهورية الفراغ بلا شرعية

26 تشرين الأول 2022

02 : 00

لبنان دفع غالياً ثمن سياسة: أنا أو لا أحد. ويراد له اليوم أن يدفع ما بقي له ثمن سياسة: أنا او لا بلد. وآخر ما بقي له هو «الشرعية» التي تسيّر عمل المؤسسات، ولو كانت شكلية. ونحن على الطريق الى فقدان الشرعية. رئيس الجمهورية الذي هو «رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن» حسب الدستور تغيب شرعيته منتصف ليل 31 تشرين الأول الحالي بالشغور الرئاسي المخطط له بدم بارد. المجلس النيابي يفقد شرعيته حين يمتنع عن القيام بواحد من أهم واجباته ومهامه، وهو إنتخاب رئيس للجمهورية بصرف النظر عن الفارق بين النواب الذين اختاروا مرشحاً ويصوتون له والنواب الذين يصرون على اللا إنتخاب سواء بالأوراق البيض أو الملغاة أو بتطيير النصاب. حكومة تصريف الأعمال التي تستعد لممارسة صلاحيات الرئيس بعد الشغور يدور جدل دستوري وسياسي حول شرعية قيامها بدور الرئيس. وهذا عملياً يتجاوز الشغور الى الفراغ الكامل.

ولا احد يعرف إن كانت القوى العربية والدولية التي تكرر دعوتنا الى انتخاب رئيس ستفرض العقوبات التي تلوح بها على المعرقلين. لكن هذه القوى ترفض صراحة تقديم المساعدات للبنان عبر الأقنية الرسمية ولم تعد تأتمن التركيبة الحاكمة والمتحكمة والتي هي عملياً مافيا على دولار واحد. والمفارقة أن علينا نحن ضحايا هذه المافيا التي سطت على المال العام والخاص ولعبت بمصير البلد وتلاعبت بالشرعية، أن نأتمنها على حاضر لبنان ومستقبله.

ولا أحد يجهل ما ينتظرنا من شقاء يفوق كثيراً ما نعانيه اليوم. فمن دون رئيس جمهورية وحكومة ليست لفريق واحد وإصلاحات وإتفاق مع صندوق النقد الدولي، يبدو ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل لإستثمار ثروتنا الغازية كأنه اتفاق معلق في الفراغ يصعب تنفيذه حتى على «توتال». ومن دون كل ذلك، فلا احد يستثمر قرشاً في أي مشروع إقتصادي لإنقاذ لبنان وإخراجه من أعمق هاوية. لكن هذا آخر هموم التركيبة السياسية التي تزداد وقاحة وغطرسة بمقدار ما تقل شرعيتها. حتى الإنهيار الذي يكتمل، فإنه بالنسبة إليها ورقة للتوظيف السياسي حيث الربح لها والخسارة على الناس.

من الأحاديث المشهورة واحد يقول: «هناك أناس يجب ان تُقاد الى الجنة بالسلاسل». ومن الوقائع المخيفة في لبنان أن هناك مافيا تهلل وتفاخر وتعتبر نفسها منتصرة، من خلال دفع اللبنانيين الى جهنم. والمشهد لا يوصف: خليط من التراجيديا والعبث والسوريالية والمهزلة. وصور من العهر والفساد والإثراء على حساب الفقراء والإستخفاف بالعقول والتلذذ بإذلال الناس، يخجل منها أي حاكم في جمهورية موز. وإصرار على الذهاب الى جمهورية الفراغ والحفاظ على المواقع فيها.

يقول جلال الدين الرومي: «حيث توجد آثار متهدمة، هناك أمل في العثور على كنز». لكن ما نعثر عليه في الخراب اللبناني هو مافيا تسطو على ما بقي معنا من ليرات.