مسكون بالوهم من فاجأه رفض دمشق استقبال الوفد اللبناني للبحث في مسألة ترسيم الحدود البحرية، أو من استغرب رفض النظام «الأسدي» عودة اللاجئين السوريين بحجة وجوب تطابق ملفهم مع المواصفات المطلوبة للمخابرات الحريصة على أمن البلاد الممسوك بهرمية تبدأ من روسيا ولا تنتهي بإيران...
وجاهل من يظن، ولو للحظة عابرة، أنّ علاقات ندية قائمة على الأخوّة والتعاون المشترك يمكن أن ترسي أسسها بين سوريا الأسد ولبنان... أو أنّ وجود اللاجئين السوريين في لبنان هو محض صدفة وليس مبرمجاً لإحداث تغيير ديموغرافي يلائم أجندة المحور، بحيث يتم الإعلان عن عودة ستة آلاف لاجئ، فلا يعود منهم سوى 450 فقط لا غير.
التاريخ الحديث يؤكد هذا الجهل. ووقائعه لا تحتاج إلى تحليل أو تمحيص. فالفكر «الأسدي» لا ولن يرى في لبنان إلّا تابعاً «خبيثاً»، إذا ما رُفعت القبضة الحديدية عنه سيصبح ممراً، أو مستقراً للأعداء الذين يستهدفون أمن الشقيقة وسيادتها.
إلا لبنان، فهو خاصرة رخوة، ولطالما كان وسيبقى، إذا ارتاح قليلاً وخرج عن الطوع. لذا كان لا بد من تقييده بمعاهدة الأخوة والتنسيق، ليتم التحكم به تحت عنوان «المصير المشترك والمصالح المشتركة القائمة بين البلدين». وما يعني أنّه على لبنان الانصياع والامتثال للأوامر «الأسدية» حتى قيام الساعة.
باختصار، كان يجب أن يبقى لبنان حرفاً ناقصاً، على الرغم من التغيير الذي طرأ على صيغة التحالف الإيراني- السوري، مع إعطاء الغلبة لرأس المحور بعدما كان حافظ الأسد هو الرقم الأقوى في المعادلة، ليتحوّل وريثه إلى منفّذ لسياسات إيران، مع السماح له بإبقاء قبضته الحديدية على لبنان، ما أثمر تعاوناً انعكس في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لأنه كان مزعجاً «للسيد الرئيس»، وأصبح عائقاً أمام المشاريع التوسعية لجمهورية ولاية الفقيه.
ولو لم تتطور مسألة الاغتيال عربياً ودولياً، وصولاً إلى محكمة دولية، ولو طويت صفحة الجريمة، كما كان السائد، وكما كان مفترضاً مع ردم حفرة الانفجار، لبقيت القبضة الحديدية على حالها برعاية النظام الأمني السوري/اللبناني.
والأهم، لمّا كان الملف اللبناني قد خرج من يد بشار الأسد إلى يد «حزب الله»، وعلى الرغم من كل التطورات ومن تحول «السيد الرئيس» إلى جندي من جنود الولي الفقيه، يبقى «بلد مثل لبنان فيه انقسامات عمرها قرون وليس عقوداً من الزمن»، حرفاً ناقصاً بكل ما فيه ومن فيه، ولا يحقّ لرئيسه التعامل مع «بابنا العالي» على درجة واحدة في سلم المقامات.
فهذا الرئيس وبمعزل عن هويته وانتماءاته، يجب أن يبقى عبداً مأموراً لعبدٍ مأمورٍ. وكل العنتريات التي وسمت مسيرته وصولاً إلى قصر بعبدا، هي من عدة الشغل لإبقاء لبنان أسير المحور. أمّا أن يحسب، هو وصهره العزيز، أن بإمكانهما التصرف بندية وأريحية والمبادرة إلى أرسال وفد لترسيم الحدود البحرية ويتوقع استقبال الوفد بالأحضان، فهذا انتهاك للمقامات لا يستهان به. وكذلك تحويل معزوفة عودة اللاجئين إلى مسألة تنفيذية، وليس فقط ابتزازاً سياسياً، كما كان المطلوب.
والنتيجة، صفعة النظام لمن يحسبون أنهم حلفاء له، وأنّ تحالفهم وإياه هو المدخل إلى المكاسب التي تتجاوز الحدود الممنوع ترسيمها.
فحساسية «النظام الأسدي» تجاه لبنان لا يقف عندها طبيب، حتى أنّ هذا النظام لا يجد ضيراً في أن تتحكم به روسيا وإيران وتركيا. وهو يستميت لكسب ود الولايات المتحدة والدول الأوروبية ليستعيد نعيم الاعتراف به، ويسكت عن الضربات الإسرائيلية المتكررة لأراضيه. ولكنه لا يتساهل أبداً مع هذه الخاصرة الرخوة، التي لا ولن يعترف بها دولة شقيقة وجارة. وإنّما هي مساحة خلفية ليرمي فيها شعبه، ويساهم ما أمكن بتخريبها، وبكل الوسائل والسبل الممكنة... ولنا في ميشال سماحة مثال يُحتذى..