ماريو ملكون

بالوقائع: ورقة الأولويات الرئاسية تُعرّي العهد!

5 دقائق للقراءة

يُجاهر التيار الوطني الحر بورقة "الأولويات الرئاسية" التي جال بها على عدد من القوى السياسية، واضعاً نفسه كصاحب الرؤية الثاقبة لتحديد إطار الاستحقاق الرئاسي، حيث فاته بأنّ تجربته خلال ست سنوات في منصب الرئاسة الاولى هي الورقة الاكثر واقعيّة لتقديمها كمثال عن توجّهاته عوض سرد الشعارات والعبارات على ورقة لن تؤخذ على محمل الجدّ حتّى من أهل البيت.


وأمام إصرار رئيس "التيار" النائب جبران باسيل على المجاهرة بورقته هذه، نستعرض في الاسطر التالية أبرز العناوين التي تضمّنتها لمقارنتها مع مدى ممارسة "الوطني الحر" لها خلال تسلّمه مقاليد الحكم منذ العام ٢٠١٦.


في السياسة الخارجية والدفاعية، دعت "الورقة" إلى "الحفاظ على السيادة الوطنية من خلال وضع استراتيجية دفاعية"، في حين أنّ الرئيس عون الذي وعد قبل الانتخابات النيابية عام ٢٠١٨ بالدّعوة إلى مناقشة الاستراتيجية بعد الاستحقاق النيابي، تذرّع في آب ٢٠١٩ بعملية "تغيّر المقاييس الدفاعية وفقدان الركائز لهذه الدّعوة"، لتنحصر دعواته اللاحقة إلى بيع كلام مُدَوزَن وفق حسابات حزب الله الاقليمية، في التوقيت والاسلوب.


في "الحفاظ على علاقات لبنان مع الخارج وتحييده عن النزاعات"، يتناسى مُعِدّ الورقة أنّ عهد "التيار" قد احترف ضرب علاقات لبنان مع المجتمعين الدولي والعربي كما امتهانه تغطية جريمة إقحام لبنان في صراعات إقليمية لا علاقة له بها.


أمّا في بند "السّعي لتحقيق عودة آمنة للنازحين السوريين والتمسك بعودة اللاجئين الفلسطينيين منعاً للتوطين"، فقد ظهر جليًّا أنّ عهد "التيار" حرص على توظيف كلّ طاقاته لاعادة النظام السوري إلى الحاضنة العربية دون أن يستغلّ علاقاته معه لحلّ معضلة النازحين عدا عن خطوات فلكلورية بإعادة أعداد هزيلة تتطلّب عقود للمعالجة الشاملة، إضافةً إلى عدم إقدامه على أيّ خطوة لطرح مسألة اللاجئين الفلسطينيين عبر تمنّعه عن استثمار مرحلة المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل حول ترسيم الحدود البحرية الجنوبية، وإقدامه على خطوة التجنيس لغير المستحقّين في مشهد يفوق فظاعة واقع النزوح واللجوء.


في التوازن الوطني والشراكة، تتحدّث الورقة عن قاعدة الكفاءة في التوظيف العام وفق المادة ٩٥ من الدستور اللبناني، في حين أنّ التيار الوطني الحر نفسه قد عمل جاهداً لضرب آلية التعيينات القانونية نسفاً لمبدأ التوظيف العادل والكفوء وربطاً للامر بالادارة الزبائنية والمحاصصة التنفيعية.


في معالجة الانهيار المالي والاقتصادي والاجتماعي، تستعرض ورقة "الوطني الحر" سلسلة من الخطوات الاصلاحية، فيما أظهر آداء نوّاب ووزراء "التيار" أسوأ نموذج لمواجهة التحديات، من خلال البصم على موازنات كارثية، حيث ينعدم قطع الحساب وتنعدم خطة التعافي، ويرتفع الاعتراض على تشكيل لجنة برلمانية للتدقيق بحسابات مصرف لبنان قبل الانهيار عام ٢٠١٧، وعدم الاقدام على وضع حدّ للتهرّب الجمركي والضريبي، والصّمت عن التّهريب عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية، وصفر إنتاجية في شبكة الانماء الاجتماعي.


وانتقالاً إلى بنود الاصلاح السياسي والاداري، تطلب ورقة الاولويات الرئاسية التي طرحها باسيل، بوجوب تنقية الادارة من شوائب التوظيف الزبائني، فيما ممارسات "التيار" من شركة أوجيرو إلى شركة قاديشا وما بينهما، قد حفلت بأفظع أنواع التوظيف الزبائني حيث انعدمت كلّ الاصول والمعايير وسقطت كلّ القوانين المرعية الاجراء.


وتتجلّى قمّة الازدواجية، في مطالبة الورقة برفع يد السلطة التنفيذية عن الاجهزة الرقابية وتعزيز استقلاليتها، بينما سعى "التيار" في السلطة التنفيذية مراراً وتكراراً إلى ضرب الاجهزة الرقابية عبر رفضه المرور بدائرة المناقصات وتحديداً في ما خصّ مسألة البواخر، كما تمنّعه عن تشكيل الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء وإصراره على تعديل القانون بغية العبث بدور الهيئة وحصر القرار بيد وزير الطاقة والمياه.


في الثروة الوطنية، تتحدّث الورقة عن استكمال بناء السدود واحترام الارث الثقافي والطبيعي واستعادة الانتشار للجنسية اللبنانية، بينما تُظهر ممارسات "الوطني الحر" أنّه أهدر أموالاً طائلة على مشاريع مائية فاشلة توازياً لغياب دراسات الاثر البيئي، عدا عن مشروع بناء مقرّه الحزبي على موقع أثري، توازياً مع ضربه انخراط الانتشار في العملية السياسية للبلاد، عبر عرقلة اقتراعهم في الانتخابات الاخيرة من خلال ممارسات مُعيبة لوزارة الخارجية التي عطّلت اقتراع عشرات الآلاف من خلال التوزيع السلبي الموجّه وتأخير تسليمهم الاوراق الرسمية للاقتراع.


وتُختَتم الورقة ببند الامان والاستقرار والازدهار، حيث تتجلّى صورة "العهد الحالي" كأحد أسوأ ما مرّ في تاريخ لبنان الحديث من هتك للأمان الاقتصادي والاجتماعي والصّحي ونسفٍ للاستقرار الامني والحياتي والسياسي وضربٍ لكلّ أنواع الازدهار والتطوّر والتقدّم.


كلّ هذا، وتُعتبر أيّ ورقة يحملها النائب باسيل بمثابة "الساقطة" من كلّ الحسابات كون حاملها لا يؤتمن على موقف ولا يلتزم بتوقيع ولا يحترم مبدأ ولا يُقدّس كلمة ولا يُعدّ أهلاً لأيّ ثقة، ويُساوم على كلّ شيء لتعزيز مكاسبه السلطوية، وبالتالي فإنّ الاولويات الرئاسية لديه هي ورقة مساومة وصكّ تجاري حصراً، خِلافاً لأيّ نصّ أو سرد كلامي استعراضي، لا يمرّ حتّى على الناطقين به.