حظيت وفاة «عمر حاجي» عن 94 عاماً بصدارة الإهتمام الإعلامي في العالم، لا لكون الراحل الكبير فاعل خير، أو منافساً للكندي إيلون ماسك أو شبيهاً لجيف بيزوس على صدارة أثرياء العالم، ولا لكونه عالم فيزياء نووية أو شاعراً رؤيوياً. واقع الأمر أن الرجل الإيراني لم يشعر حتى بجلده أو بفروة رأسه منذ تشكّلت طبقة عازلة، وسميكة، بين بشرته والهواء، طبقة من الأوساخ أبعدت عنه المرض والنساء وصيبات العين.
قذارة العم حاجي خيار شخصي وقد أمدّته بالصلابة والقدرة على مقاومة الأمراض. مات بلا سبب وجيه. قتله الضجر ربما أو الإستحمام المتأخر. في بعض المعتقلات ،هناك من لا يموت جرّاء التعذيب بالكهرباء والضرب المبرح وتكسير العظام والغرغرينا، يموت من القذارة المسببة للجرب. والأكثر قذارة من القمل المتلذذون بسحق الكرامات والأعمار.
أما أكثر القذرين جاذبية على مدى ستة عقود المفتش هارولد فرنسيس كالاهان المعروف بهاري القذر، وأدى الدور كلينت إيستوود ( 92 عاماً) في خمسة أفلام أوّلها العام 1971، وعُرض الدور على فرانك سيناترا لكنه اعتذر بسبب إصابة في يده اليمنى تمنعه من سحب الـ «ماغنوم» بسرعة وسحق الأشرار بقسوة.
في كل مكان هناك رجال قذرون. وسياسات قذرة. ومال قذر. لندن الجميلة جاذبة أولى للمال القذر باعتبارها عاصمة لغسل الأموال في العالم. وروما التي تُعد من أجمل مدن العالم احتلت قبل أشهر المركز الأوّل ضمن قائمة مدن العالم الأكثر قذارة بناء على استطلاع أجرته مجلة «تايم آوت» وحلت بعدها، في الترتيب، نيويورك، ثم غلاسكو. لم تستطع بلدية مدينة العشرة ملايين سائح من إيجاد حلول مستدامة للقمامة وجيش الفئران. أليس لديهم مجلس إنماء وأعمار؟ مساكين.
عالم القذارة واسع. ولكل مدينة اختصاصها. فبيروت مثلاً مشهورة بغسيل السياسيين الوسخ. كلما استفحلت في لبنان أزمة، والإستفحال مستدام، ينشر المسؤولون ملابسهم القذرة على أسطح البنايات وآخر صنوبرات معاندة.
وبدل أن يغسل المطر المدن في بداية فصل الشتاء من غبار الصيف وسمومه تتسخ شوارعها بالقمامة. في العام 2018 أبهر نهر الزبالة العالم. راح من راح وبقيت الزبالة. من مكان مطلّ على مكب كوستابرافا الدولي نسأل:
أصحيح أن العم حاجي الأكثر قذارة بين البشر؟
أمضى العجوز نصف قرن من دون استحمام في محافظة فارس، ونحن في نصف قرن نعيش في «حمّام مقطوعة ميتو» ونشمّ خليطاً من الروائح متوهمين أن لبناننا البلد الأنظف والأمثل وواحة الديمقراطية في هذا الشرق. ما يعوض خسارتنا للقب الرجل الأكثر قذارة في العالم فلدينا أكذبهم وأحقرهم وأكثرهم فساداً. عاش لبنان.