رامي نعيم

حزنٌ على طريق الجنوب

3 دقائق للقراءة
في الجنوب قرى دُفنت معها ذكريات وطفولة أجيال وألعاب الصغار وأتعاب الكبار

تلبيةً لدعوة صديق يحمل على كتفَيه سيفَين ونجمة، ويحمل دمه على كفّيه، قمت بزيارة الجنوب برفقة زميل يؤمن مثلي بلبنان الجيش والدستور والجغرافيا. وأنا جنوبيّ الهوية والماء والانتماء، والمولع بالأرض التي ورثت حبّها كما يرث العرشَ ملكُ بريطانيا أو ملكُ الأردن، لنبقى عروبيين. وأعرف الجنوب قريةً قرية، من مشارف صيدا مرورًا بجزين الحبيبة وصولا إلى الحدود التي لا حدود لحبها، أنقل لكم ببالغ الحزن والأسى مشاهد الموت والدمار وجثث الكبار والصغار وحكاية ألم لم تبدأ بعد!

على الطرقات أشلاء ضحايا وبقايا من كل شيء: بيوت، سيارات، أناس، وحتى ذكريات. هنا أذكر فرن مناقيش، وهناك كنت أستريح في عودتي من سهرتي الشعرية، وللشعر مع الجنوب حكايات لا يعرفها إلا من سمعوا قلعة الشقيف ترجّع صدى الأمسيات الحالمة.

في النبطية صمت حزين، وحدها الكلاب الشاردة تفرح بجثث ممنوع سحبها من تحت الأنقاض، ووحده صوت الدرون يُنذر بموت قريب وعلى مشارف صور بحرٌ لا يزال الأزرق فيه يطغى على الأحمر، لكنّ المشهد على الشاطئ يُنبئ بأن الأزرق لن يدوم.

في الجنوب قرى دُفنت، ودُفنت معها ذكريات وطفولة أجيال وألعاب الصغار وأتعاب الكبار، وشوارع كان رئيس مجلس النواب نبيه برّي يتغنّى بها، وقصور في جدرانها رائحة إفريقية ويتصبّب إسمنتها تعبًا. كل شيء في الجنوب صار ذكرى، حتى بساتين الزيتون والليمون. كل شيء قضت عليه إسرائيل بعد جنون إيراني كلّف شرعًا فصيلا لبنانيًا بالانتحار، فكانت الكلفة موتًا ودمارًا.

ليست إسرائيل المذنبة بأل التعريف، بل مذنبة بدرجة أقل من إيران، متسلّحة بحجة الدفاع عن الإسرائيليين المهدَّدين من قبل مئة ألف مقاتل قبل أن يصبحوا بضعة آلاف. لم تعِ البيئة بعد ماذا فعلت إيران بالجنوب والجنوبيين. لم يحن موعد العصف في الجرح، ولم تبدأ رحلة النوم على وسادة الدموع. لم يبرد الجرح ولم تهدأ العاصفة. اليوم لا يزال صوت القذيفة أقوى من صوت الكارثة، ولا تزال ذكريات حرب تموز 2006 تعدُ بنصر مبين، لكن غدًا، حين تهدأ الرياح ويبدأ الليل بحياكة ثوب الحداد، لن يُسمع إلا أنين الأمهات وجهش الأطفال.

غدًا، حين تنتهي الحرب ويعرف الجنوبيون أن إسرائيل لم تَزُل والقدس لن تعود، وأن المهدي المنتظر لم يستقل القطار بعد، سيلعنون إيران ويرجمون سفارتها وسفيرها، وسيحقدون على حزب الله وعلى شعاراته وتعاليمه. غدًا لن يصدح صوت الأمين العام الأسبق لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في بنت جبيل، فإسرائيل فرّقت بين البنت وأمّها، ومحت معالم المدينة، وشكّت علمها في ملعب كان رمزًا للصمود. غدًا لن تجلس أم الشهيد ضاحكة في الصف الأمامي، بل نادمة خائفة حائرة، وستبحث بين تراب الجنوب عن رائحة قبره، هذا إذا سُمح للجنوبيين الشيعة بالعودة إلى الجنوب.

عدت مع زميلي وصديقي العميد حاقدين على الحياة، خائفين على لبنان، كل لبنان، بأن يصبح مثل الجنوب. عدنا وصور الأشلاء في عيوننا، ولم أسأل رفيقيّ في اليوم التالي كيف قضيا ليلتهما، لكنّني عدت إلى منزلي وغمرت صغيرَيّ كمن يريد قول الكثير ولا يجرؤ. ولم يغمض لي جفن حتى بزوغ الفجر، فلعنت إيران ألف مرة، وإسرائيل ألف مرة، و"حزب الله" ألفين، وخاصمت الله من جديد وغفوت!


نائب رئيس التحرير