جانين دي جيوفاني

الاحتفال بالأعمال الأدبية وسط حرب دامية

8 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

عازف التشيلو فيدران سمايلوفيتش وسط حطام المكتبة الوطنية والجامعية للبوسنة
كانت الصورة المدوّية لعازف التشيلو فيدران سمايلوفيتش وهو يعزف لحن Adagio in G minor للملحن توماسو ألبينوني يومياً في فترة الظهر، من أعمق المشاهد الآتية من حصار سراييفو. كان يجلس بكل أناقة ويضع ربطة عنق سوداء بكل جرأة وسط حطام المكتبة الوطنية والجامعية للبوسنة.

كانت المكتبة المذكورة أعلاه قد تعرّضت للقصف على يد صرب البوسنة في 25 آب 1992، فتدمّر 90% من مليون ونصف مجلّد من الكتب الثمينة، بما في ذلك طبعات عثمانية نادرة. قُتِلت أمينة المكتبة (32 عاماً) في تلك الليلة، حين كانت تحاول إنقاذ الكتب بأي ثمن. كان مشهد احتراق صفحات الكتب وتصاعد الرماد في الهواء لمحة لا تُنسى عن وحشية الحرب ورمزاً للتدمير الثقافي.

لم يكن مبنى دار البلدية الجميل، "فيجكنيكا"، الذي يشمل المكتبة مجرّد مكان للبحث عن الكتب، فهو رمز قوي للانتماءات العرقية متعددة الثقافات. حاول الصرب تدمير هذه الروح الثقافية التي أعطت البوسنة هويتها.

تتكرر الظاهرة نفسها في أوكرانيا اليوم. تحــــاول روسيا تدمير الهوية الأوكرانية، بما في ذلك الآثار، والمكتبات، والمسارح، والفنون، والأعمال الأدبية.

في معظم الصراعات التي غطّيتُها سابقاً، كانت الفنون والأعمال الأدبية أساسية لرفع معنويات المدنيين فيما يتخبّطون لعيش كل لحظة وسط محاولات تدمير بلدهم، والجنود الذين يقاتلون على خطوط المواجهة دفاعاً عن ثقافتهم وتاريخهم. تكون هذه الأعمال أيضاً ركيزة للذاكرة التاريخية، فهي تُحدد الذكريات المحفوظة إلى الأبد.

في وقتٍ سابق من هذا الشهر، قبل فترة قصيرة على بدء آخر جولة رعب روسية في أوكرانيا، حيث أطلق الروس اعتداءات صاروخية بطائرات مسيّرة انتحارية وإيرانية الصنع ضد المدنيين في كييف، وشنّوا ضربات صاروخية ضد البنى التحتية المدنية في "لفيف" وهجمات أخرى في أماكن مختلفة من البلد، قصدتُ واحداً من أهم المهرجانات الأدبية التي حضرتُها على الإطلاق: إنه منتدى الكتاب الممتد على ثلاثة أيام في مدينة "لفيف".

تقع "لفيف" في غرب أوكرانيا، وهي مدينة عريقة شكّلت طوال سنوات جزءاً من الكومنولث البولندي الليتواني، والإمبراطورية النمساوية المجرية، وبولندا، والاتحاد السوفياتي، حتى أن النازيين حاصروها في مرحلة معينة. صمدت هذه المدينة المدهشة على مر تلك الحقبات كلها.

تثبت فكرة تنظيم مهرجان أدبي تزامناً مع احتدام حرب وحشية في أنحاء البلد مدى استعداد الأوكرانيين لتحدي ظروفهم. اجتمع الكثيرون في "لفيف" لحضور المهرجان تضامناً مع البلد، منهم كتّاب أوكرانيون مثل المعتقل السياسي السابق ستانيسلاف عسييف، وديانا بيرغ التي خسرت منزلها مرتَين في "ماريوبول"، والروائية الأوكرانية والناشطة في مجال حقوق الإنسان فيكتوريا أميلينا، والمحامي والكاتب البريطاني فيليب ساندز الذي كتب واحداً من أقوى الكتب عن أصل الإبادة الجماعية، East West Street (شارع الشرق الغرب).





حَضَر أيضاً المؤرخ ميشا غليني، والخبير في حملات التضليل بيتر بوميرانتسيف ووالده إيغور الذي كان شاعراً سوفياتياً معارِضاً، والروائي الأميركي الفرنسي جوناثان ليتيل، والكاتبة غير الروائية ناتاليا جومينيوك الفائزة بجوائز عن أعمالها، والطبيبان البريطانيان الاستثنائيان هنري مارش ورايتشل كلارك، اللذان حضرا إلى أوكرانيا كي يشهدا على الأعمال الوحشية. شارك آخرون في المهرجان أيضاً، منهم فلاسفة، وأصحاب مدوّنات، وناشطون.

كان هذا الخليط من الثقافات مثيراً للاهتمام، لكن يبقى الكتّاب الأوكرانيون نجوم الحدث قبل الآخرين، فراحوا يقرأون ويسردون القصص بكل شجاعة وبصدقٍ مؤلم. أخبر عالِم الأدب أولكسندر ميخيد الحاضرين أنه أدرك في يوم الغزو الروسي، في 24 شباط، ما يلي: "لا يمكنك أن تحمي عائلتك من الأسلحة بقصائدك. ولا يمكنك أن تضرب أحداً بكتاب. قد تحاول فعل ذلك، لكن لن تنجح هذه الطريقة مع المحتلين المجانين من موسكو. لقد خسرتُ إيماني بقوة الثقافة وفقدتُ اهتمامي بالقراءة".

بعدما أدرك ميخيد هذا الواقع بوقتٍ قصير، انضمّ إلى الجيش، ثم خسر منزل عائلته أثناء القصف بعد أسبوع. لكن حتى في "لفيف" التي بقيت هادئة نسبياً قبل شنّ الاعتداءات الأخيرة، لم تبقَ الحرب بعيدة عن المدينة. بين مختلف الحصص في المهرجان، تجوّلنا في الشوارع المرصوفة بالحصى، ومررنا بكنيسة القديسَين بطرس وبولس التاريخية، وكرّمنا الجنود الشهداء. في إحدى الأمسيات، حين كنتُ في طريقي إلى المنزل من العشاء، شاهدتُ حشداً من الشباب حول عازف غيتار كان يعزف النشيد الوطني الأوكراني. كان ذلك المشهد عاطفياً لأقصى حد. وقف الجميع وهم يضعون أيديهم على قلوبهم، تحت ضوء القمر المكتمل، وراحوا يغنّون باللغة الأوكرانية من أعمق قلوبهم: "حرية أوكرانيا لم تَمُت، ومجدها لم يندثر... يا أيها الأوكرانيون، سيبتسم لنا القدر مجدداً".

في اليوم التالي، كانت أميلينا، الروائية الأوكرانية ومؤلفة كتابَي Fall Syndrome (متلازمة السقوط) وDom’s Dream Kingdom (مملكة أحلام دوم)، واحدة من أعضاء اللجنة التي شاركتُ فيها. قابلتُ أميلينا للمرة الأولى خلال مؤتمر لمنظمات حقوق الإنسان. لكنها توقفت عن كتابة الروايات منذ بدء الصراع وبدأت تُحقق بجرائم الحرب. هي تحمل في حقيبة ظهرها سدادات أوردة لأن عملها يوصلها في معظم الأحيان إلى خطوط المواجهة في أنحاء البلد.

تقول أميلينا: "فيما يحاول المحتلّون الروس تدمير النُخَب الأوكرانية من كتّاب، وفنانين، وقادة المجتمع المدني، يجب أن يسمع العالم الحر أصوات الأوكرانيين وينشروها في كل مكان. في هذه الحالة، لن نحصل على فرصة الدفاع عن استقلال أوكرانيا في هذه المرحلة من تاريخنا فحسب، بل إننا سنمنع تكرار الأحداث نفسها في القارة كلها أيضاً".



فيليب ساندز في محادثة له خلال مهرجان "لفيف" للكتاب




أخبرتني أميلينا عن آخر زيارة قامت بها إلى "إزيوم"، في شرق أوكرانيا، بعد تحريرها على يد القوات الأوكرانية المسلّحة. قابلت هناك والدَي فولوديمير فاكولينكو، مؤلف كتب أطفال أوكراني تعرّض للخطف من منزله خلال الاحتلال الروسي.

أخبرها والد فولوديمير أن ابنه، قبل اختطافه، كان يخبئ مذكرات الحرب التي يكتبها تحت شجرة الكرز في الحديقة. ساعدت أميلينا الأب الحزين على نبش تلك المذكرات ثم جلبتها إلى متحف خاركيف الأدبي.

توضح أميلينا: "اخترتُ المتحف لأنه يشمل أولى الطبعات والمخطوطات لكتّابي المفضلين الذين أعدمهم النظام السوفياتي خلال الثلاثينات. أتمنى أن يكون فولوديمير فاكولينكو حياً حتى الآن وألا تطلق مذكراته مجموعة أخرى من الوثائق التي تحمل توقيع جيل آخر من كتّاب أوكرانيين قتلتهم الإمبراطورية".

خلال أحد اجتماعاتنا، انضمّت إلينا عبر تطبيق "زوم" الشاعرة يارينا تشورنهوز (27 عاماً)، فاتّصلت بنا من جبهة القتال. تشورنهوز كاتبة موهوبة، وهي جندية ومقاتلة في كتيبة الاستطلاع 140 التابعة لسلاح مشاة البحرية الأوكراني.

قالت تشورنهوز: "أنا أعمل الآن كمسعفة قتالية في كتيبة الاستطلاع. أنا ناشطة على خط المواجهة منذ العام 2019، ومرّ 14 شهراً على عملي في لوهانسك ودونيتسك".

ثم أخبرتنا بكل فخر أن وحدتها شاركت في الدفاع عن مناطق "سيفيرودونتسك" و"باخموت" و"بوباسنا". في شهر آذار، شاركت في عمليات عدة داخل بلدات في شمال "ماريوبول"، وهي تشارك الآن في هجوم مضاد على "ليمان" و"يامبيل".

أثناء الإصغاء إليها، فكّرتُ بما فعلتُه حين ذهبتُ لتغطية الحرب للمرة الأولى، منذ وقتٍ طويل في البوسنة، فحملتُ معي كتاباً من القصائد بحجم الجيب لشعراء من الحرب العالمية الأولى مثل ويلفريد أوين، وسيغفريد ساسون، وروبرت غريفز. ساعدتني القصائد اللاذعة والمؤلمة على فهم وحشية الحرب بعمق غير مسبوق.

في "لفيف"، شعرتُ بحجم التضامن بين الكتّاب المجتمعين هناك. قالت أميلينا: "قد يكون تجمّع المفكرين من جميع أنحاء العالم في أوكرانيا لمناقشة كيفية تحقيق العدالة وكشف الحقائق جزءاً من الحل".

في تلك الليلة، ركب بعضنا في قطار متّجه إلى كييف وكانت معنوياتنا عالية. حملنا معنا أكياساً من الفاكهة وزجاجات الويسكي. وصلنا بعد بزوغ الفجر إلى العاصمة ولم نعرف أننا سنشهد قريباً أسوأ مظاهر الغضب الذي يحمله الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. سرعان ما تلاحقت الاعتداءات الصاروخية ضد "لفيف" وكييف ومدن أوكرانية أخرى. تم إرسالنا إلى الملاجئ، حيث انتظرنا مع السكان المحليين وأولادهم وحيواناتهم الأليفة. جلبوا لنا أطباقاً من البسكويت وأكواباً من الشاي، وسحب الناس كتبهم وحواسيبهم. كان يُفترض أن تُعقَد ندوة في الطابق الأعلى من الفندق، لكنها حصلت في زاوية مرآب أصبح منزلنا الجديد في تلك اللحظات.

لم أكف عن التفكير بما قاله ميخيد للحاضرين قبل بضعة أيام في "لفيف": "سيأخذ كتّاب موهوبون من الأجيال المقبلة هذه المواد الخام ويحوّلونها إلى رواية جميلة يوماً. لكن حين يكون الفرد في عين العاصفة، كل ما يمكنه فعله هو رصد أبسط لحظات الحزن والصراخ".