د. عماد شيّا

الترسيم الهابط على تخوم "عهد الفروغ" و"فخامة الفراغ"؟!

1 تشرين الثاني 2022

02 : 00

قبل أيام من انقضاء المهلة الدستورية لنهاية عهد الرئيس ميشال عون، يبدو كأنّ هناك جهوداً جبّارة قد بُذلت من قبل «جماعة العهد» وفي كواليس المحافل السياسية والأمنية للدول المعنية باتفاقية الترسيم البحري بين لبنان واسرائيل، لتأمين هبوط آمن وسلس لهذه الاتفاقية على تخوم نهاية العهد، للتغطية على» فروغه» القوي بحق البلاد والعباد، وعلى مسؤوليته الكبيرة والمباشرة عن «فخامة الفراغ» الذي خلف «عهد الفروغ».

استلم الرئيس عون الرئاسة عام 2016 من الفراغ، وسلّمها أمس إلى الفراغ مع انتهاء المهلة الدستورية. وبين الفراغيْن من الصعب أن يكون قد عرف اللبنانيون عبر تاريخهم، «أفرغ» من هذا العهد الذي انتقل لبنان خلاله من بلد يتوق لأن يعود وطناً للتنوع والأمل والرجاء، وعاصمته منارة للثقافة والعلم والانفتاح والتواصل، إلى بلد بائس عاصمته احترقت بنيران الأمونيوم، وشعبه منكوب بالعتمة، وبالسعي لتأمين لقمة العيش وحبّة الدواء، ومهجوس بالفرار من الجحيم ولو بسفن الموت بلا جواز أو حقيبة سفر.

والأدهى، بدل أن يستتر رئيس العهد لكثرة ابتلائه بالمعاصي، لم يتوان أبداً عن الخروج على اللبنانيين محتفياً بالجنة النفطية الموعودة، وتمنين البلاد والعباد بفضله وفضل صهره جبران باسيل بانجاز الترسيم البحري مع اسرائيل، واستفاقته المتأخرة عشية نهاية العهد لمراكمة انجازاته الورقية بترسيم بحري مع سوريا، بينما الحدود البرية معها سائبة يمر عبرها على المكشوف يومياً، ذهاباً وأياباً كل أنواع الموبقات والممنوعات، والأدهى هو «كرنفال» توزيع الأوسمة على الشمال واليمين تقديراً للإنجازات العظيمة للمكرّمين، ولعل أهمها الوسام على صدر السفير السوري عبد الكريم علي تكريماً لجهوده الجبارة في كشف مصير العسكريين اللبنانيين والمفقودين في السجون السورية وتدخّلاته في زواريب لبنان الداخلية، ومطارداته المعارضين السوريين!!

لكن بالرغم من كل هذه العراضات التي جرت على مدى الأيام الأخيرة من عمر العهد، فإنّ أغلبية اللبنانيين باتوا ينامون ويستيقظون وهم يعدّون الأيام والساعات للخلاص من مصائب اللعنة التي حلّت بهم، متضرّعين أن تكون جائحة الكوليرا المتزامنة مع نهاية العهد، والمتفشية من خلال المياه الوسخة والمبتذلة، آخر هذه المصائب.

بالطبع، كلّ هذه المشهدية لن تكون عقبة في الأيام المقبلة أمام أوركسترا «عهد الفروغ» التي من المتوقع، أن تستأنف و بزخم أكبر، حفلات التطبيل والتزمير لإنجاز توقيع العهد على اتفاقية الترسيم البحري مع اسرائيل، وتظهيره على أنّه الفتح المبين للعهد الذي لم يسبق له مثيل في التاريخ ولا في الآتي من الأزمان، وذلك بهدف التغطية على كلّ الفشل والذل والفروغ بحق الناس والدولة والمؤسسات من جهة، والاستثمار الى أقصى الحدود بالاستحقاقات السياسية الراهنة والمقبلة من جهة اخرى.

بعض النظر عن مضمون الاتفاق ومدى أهميته واستجابته للمصالح الوطنية اللبنانية، فقد يكون لمجرد التوقيع عليه في لحظة سماح إقليمية دولية سانحة، أهميّة وأصداء إيجابية يمكن البناء عليها في حال أحسن اللبنانيون التعامل معها  كقضية وطن وثروة وطنية، وعطّلوا مفاعيل استغلالها كغطاء لعورة «عهد فروغ» تطبّع على التسلّق والتعمشق على سديم الفراغ.

(*) أستاذ بالاعلام والتاريخ العام