رفيق خوري

اللعب مع التاريخ

2 تشرين الثاني 2022

02 : 00

الرئيس ميشال عون ليس اول رئيس لا يتسلم الرئاسة من سلف ولا يسلمها لخلف. لكنه أول رئيس يحتفل بالشغور، ويقرر تحويله الى فراغ مزدوج رئاسي وحكومي، بصرف النظر عن هدفه ونيته. وأول رئيس يغادر القصر في مهرجان بدا كأنه يدور في عالم إفتراضي مفصول عن الواقع الكارثي في البلد. خطابه لم يكن وداعياً، ولا تضمّن مراجعة للسياسات ولا إعترافاً بأي خطأ أو مسؤولية بل تركز على تصفية الحسابات والوعد بمرحلة جديدة من «النضال بقوة».

تصفية الحسابات مع من؟ مع ما سماها «المنظومة الحاكمة» لـ»بلد مسروق ودولة مهترئة»، كأنه لم يكن على رأس هذه المنظومة وهذا البلد وهذه الدولة على مدى ست سنوات، ولا كان وزراؤه ونوابه مشاركين في الحصص والقرارات خلال أكثر من 15 سنة. فالمسؤولية على الآخرين. وهم الذين سطوا على المال العام والخاص وأداروا الفساد وحموه. وهو «التيفلون» الذي لا يعلق به شيء.

و»النضال» من اجل ماذا؟ من أجل التغيير و «إزالة الفساد من جذوره». لكن على الجنرال عون أن يسأل نفسه، لأن «المناضلين» الذين دعاهم لن يسألوه: هل يستطيع أن يفعل من خارج القصر ما لم يفعله من داخله؟ وإذا كانت «المنظومة الحاكمة»، وهي تركيبة أكثر منها منظومة، منعت «الرئيس القوي»والزعيم المسيحي الكبير وحليف «حزب الله» المسلح المتمتع بفائض القوة من وقف السطو على البلد وإهتراء مؤسسات الدولة، فما الذي يستطيع فعله وريثه أو أي رئيس؟ أليس هذا برهاناً عملياً على أن التغيير يحتاج الى مقاربة مختلفة، ويبدأ من تحالف آخر يقود كتلة شعبية تاريخية لإستعادة البلد المخطوف والسيادة المعارة والدولة التي تأكلها الدويلة؟

الجنرال عون كان ولا يزال يؤمن بأنه دائماً على موعد مع التاريخ. وهو، حتى عندما خسر معارك عسكرية وسياسية، وتمسك بقراءته الذاتية لرياح المتغيرات الإقليمية والدولية التي كانت تدور وتدار في إتجاه آخر، فإن التاريخ بقي رحيماً معه. أعطاه أكثر مما نال أي زعيم تاريخي في لبنان. حقق له حلمه الرئاسي. وسار وراء قيادته تيار عريض أيام وقف ضد الميليشيات والوصاية السورية، وبقي معه عندما تفاهم مع النظام السوري وتحالف مع أقوى ميليشيا باقية مرتبطة بالمشروع الإيراني.

وهذا ما يغري بإمكان اللعب مع التاريخ و»المونة» عليه. فالجنرال عون يروي تاريخ الرئاسة والمرحلة الماضية كأنه لم يكن في القصر عند حدوث الأخطاء والمخالفات والمحاصصة والتعيينات السيئة ودفع الناس الى «جهنم»، وكأنه كان وحده عند حدوث إنجازات مثل ترسيم الحدود البحرية. ولا شيء يزيد البلاوي التي نحن فيها أكثر من إستعراض التركيبة السياسية وما فعلته من تسطيح العقول وتسميم الأفكار، بحيث تحولت العصبيات الى ثنائية قاتلة: تأليه الزعيم وشيطنة الآخرين. والسجال بالكراهية والحقد.

قبل قرنين قال إمبرزاريو أميركي: «إذا أردت أن تصنع جمهوراً إبدأ قتالاً». وما أكثر تلاميذ هذا الرجل.