سليماني... أحد مهندسي "السياسات الإيرانيّة" في الشرق الأوسط

7 دقائق للقراءة

يُعدّ الجنرال قاسم سليماني، الذي اغتيل بالأمس في بغداد، من أكثر الشخصيّات المعروفة في إيران وصاحب دور محوري في تعاظم نفوذها في الشرق الأوسط، وكان يُنظر إليه على أنّه "خصم" مزعج للولايات المتّحدة وحلفائها. ومارس سليماني (62 عاماً)، ذو الشخصيّة الصارمة والهادئة في آن واحد، والذي يقود "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الإيراني، المكلّف بالعمليّات الخارجيّة للجمهوريّة الإسلاميّة، تأثيراً كبيراً في سياق المباحثات السياسيّة الأخيرة لتشكيل حكومة عراقيّة جديدة. كما يُعتبر الشخصيّة المحوريّة في إطار علاقات طهران بجماعات مثل "حزب الله" اللبناني وحركة "حماس" الفلسطينيّة.وينظر الخصوم والمعارضون إلى سليماني على أنّه الشخصيّة التي تُجسّد النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، حيث عزّز ثقلها الديبلوماسي والعسكري، خصوصاً في العراق وسوريا، البلدَيْن اللذَيْن تنخرط فيهما الولايات المتحدة عسكريّاً.

وسبق للمحلّل العسكري السابق في وكالة الاستخبارات المركزيّة الأميركيّة كينيث بولاك أن قال عن سليماني ضمن السيرة التي كتبها عنه لمجلّة "تايم"، في عددها المخصّص لأكثر مئة شخصيّة نافذة في العالم، العام 2017: "بالنسبة إلى شيعة الشرق الأوسط، إنّه خليط من جيمس بوند وإرفين رومل ولايدي غاغا"، مضيفاً: "بالنسبة إلى الغرب، إنّه المسؤول عن تصدير الثورة الإسلاميّة ودعم الإرهابيين وقيادة حروب إيران في الخارج".وكان البعض في إيران، التي تُعاني من ركود اقتصادي مخيف، اقترح دخوله إلى السياسة المحلّية. غير أنّ الجنرال الإيراني كان ينفي الشائعات التي تُشير إلى عزمه الترشّح للانتخابات الرئاسيّة في 2021.وأظهر سليماني مواهبه الأمنيّة والعسكريّة والسياسيّة في العراق المحاذي لبلاده، ففي كلّ تطوّر سياسي أو عسكري في هذا البلد، كان نشطاً في الكواليس. ومن تمدّد تنظيم "داعش" إلى الاستفتاء على استقلال إقليم كردستان، أو حتّى حاليّاً على صعيد تشكيل الحكومة الجديدة، كان في كلّ مرّة يلتقي الأفرقاء العراقيين ليشرح أمامهم المسار الذي يتوجّب سلوكه، وفق عدد من المصادر التي شاركت في هذه الاجتماعات، التي كانت تُعقد في السرّ، بينما وصفه مسؤول عراقي رفيع بأنّه رجل هادئ وقليل الكلام، وقال لمجلّة "نيويوركر": "يجلس وحيداً في الطرف الآخر من الغرفة، بطريقة هادئة جدّاً. لا يتكلّم، لا يُعلّق، يستمع فقط".

ويعود نفوذه إلى فترات سابقة، إذ كان يقود "فيلق القدس" حين غزت الولايات المتحدة أفغانستان في 2001. وقال ريان كوكر، الذي كان سفيراً للولايات المتحدة في كابول وبغداد، خلال مقابلة مع هيئة الإذاعة البريطانيّة العام 2013، إنّ "الإيرانيين كانوا واضحين جدّاً حول واقع أنّه حتّى لو أبلغوا وزارة الخارجيّة، فإنّ الجنرال هو من سيتّخذ القرارات في نهاية المطاف".

وبعدما قضى عقوداً من حياته خلف الكواليس، بدأ سليماني يتصدّر أخبار وسائل الإعلام منذ بدء النزاع الدموي في سوريا العام 2011، حيث تُقدّم إيران دعماً ثميناً لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. وفي تلك الفترة، توالت صوره على الجبهات العسكريّة وفي وثائقيّات، كما جرى تجسيد شخصيّته في فيلم رسوم متحرّكة وفي فيديو موسيقي. وفي مقابلة متلفزة بثّت في تشرين الأوّل، روى أنّه أمضى فترة من حرب تموز 2006 في لبنان إلى جانب قـادة "حزب الله". وعندما بدأت الثورة للإطاحة بالشاه في العام 1978، كان سليماني يعمل في مرفق المياه في بلديّة كرمان ونظّم تظاهرات ضدّ الشاه، حتّى نجاح الثورة الإسلاميّة العام 1979. وتطوّع سليماني للعمل في "الحرس الثوري"، وبعدما اندلعت الحرب مع العراق في العام 1980 صعد سريعاً سُلَّم الرتب. وتدرّج الرجل في المناصب حتّى عيّنه المرشد الأعلى علي خامنئي قائداً لـ"فيلق القدس" العام 1998. ويُطلق خامنئي على سليماني لقب "الشهيد الحي". قائد جديد لـ"فيلق القدس"

وسارع المرشد الأعلى علي خامنئي لتعيين إسماعيل قاآني قائداً جديداً لـ"فيلق القدس" خلفاً للجنرال قاسم سليماني، حتّى قبل دفنه. وقال خامنئي في بيان نشر على موقعه الرسمي: "عقب عروج الشهيد رفيع المنزلة قاسم سليماني، أوكل مهمّة قيادة "قوّة القدس" في "الحرس الثوري" للواء رفيع الشأن إسماعيل قاآني، الذي رافق طوال أعوام مديدة اللواء الشهيد في قوّة القدس وخدم معه في المنطقة". وأوضح أن "برنامج عمل تلك القوّة هو نفسه الذي كان في فترة قيادة الشهيد سليماني". كما دعا "جميع الكوادر في هذه القوّة إلى التعاون مع القائد قاآني".

ولم يحمل تعيين قاآني خلفاً لسليماني أي مفاجأة، بحيث كان يُعدّ من أقرب المقرّبين إليه، ولعب قاآني دوراً أساسيّاً في دعوة الأسد وتنظيم زيارته إلى طهران مطلع العام الماضي، إذ كشف في تصريحات سابقة أن "فيلق القدس" هو الذي نسّق حضور الأسد إلى طهران، مشيراً إلى أن "هذا الأمر كان شديد الحساسيّة، وعلم به من كان يجب أن يعرفه فقط". وكان هذا الأمر السبب في تقديم وزير الخارجيّة محمد جواد ظريف استقالته، لعدم إطلاعه على زيارة الأسد، لكنّه تراجع بعد ذلك عنها بعد رفضها من الرئيس حسن روحاني. ووصفت وسائل الإعلام الإيرانيّة قاآني بأنّه "رجل صلب" مثل سليماني، وله خبرة طويلة وكافية في التعامل مع الملفات الخارجيّة المعقّدة وجبهات القتال. وبالفعل هو يُعتبر الرجل الثاني في الحرس الثوري بعد سليماني، وعُرِفَ بتصريحاته الداعمة للتدخّل في شؤون دول المنطقة، خصوصاً سوريا، التي يرى الحرب فيها أنّها مصيريّة.

رجل طهران في العراق

من جهته، يُعتبر نائب قائد "الحشد الشعبي" العراقي أبو مهدي المهندس، واسمه الحقيقي هو جمال جعفر آل إبراهيم، الذي قُتِلَ بهجوم صاروخي أميركي مع سليماني، أنّه "رجل طهران في العراق" والعدو الشرس للولايات المتّحدة.

وعُرِفَ المهندس المناهض بشدّة للوجود الأميركي في العراق، بعلاقاته الوثيقة القديمة مع إيران. وقال الباحث المختصّ بشؤون الجماعات الشيعيّة المسلّحة فيليب سميث إن "المهندس كان الدليل على كيفيّة قيام إيران ببناء شبكتها من الوكلاء في العراق"، مضيفاً أنّه "مرتبط بكلّ الشبكات الرئيسيّة لإيران في العراق". واعتبر أنّه "تجسيد مثالي لنفوذ إيران في العراق".وولد المهندس العام 1953 في البصرة بجنوب العراق، وكان يحمل الجنسيّتَيْن العراقيّة والإيرانيّة ويُتقن اللغة الفارسيّة. وفي ثمانينات القرن الماضي، كان أحد القادة البارزين لـ"فيلق بدر"، القوّة التي شُكلت في إيران من مقاتلين عراقيين لدعم الجمهوريّة الإسلاميّة في الحرب الضروس ضدّ نظام صدام حسين (1980-1988). وصدر حكم بالإعدام على المهندس العام 1983 في الكويت، لتورّطه في هجمات استهدفت سفارتَيْ الولايات المتحدة وفرنسا، لكنّه فرّ من هناك. وأصبح لفترة قصيرة عضواً في البرلمان العراقي عقب انتخابات العام 2005.

وساعد المهندس في تأسيس "كتائب حزب الله"، الفصيل المتشدّد المدعوم من إيران، الذي اتهمته الولايات المتحدة باستهدافها ونفّذت سلسلة ضربات ضدّ مواقع له قبل أيّام، تسبّبت بمقتل أكثر من 27 مقاتلاً. ووصف الخبير في معهد واشنطن للأبحاث مايكل نايتس، المهندس، بأنّه "العدو اللدود الأوّل للولايات المتحدة"، حتّى أكثر عداء من كلّ الفصائل المؤيّدة لإيران في العراق. وعلى الرغم من أن فالح الفياض، مستشار الأمن الوطني العراقي، هو قائد "الحشد الشعبي"، كان المهندس إلى حدّ كبير، بحسب مراقبين، "القائد الحقيقي" لـ"الحشد". كما كان المهندس مستشاراً شخصيّاً للجنرال سليماني، وكانا يظهران سويّة في العديد من المناسبات والمناطق الساخنة.