تؤثر الميكروبات في أمعائك على مستوى تجاوبك مع الضغط النفسي، وقد تُحدد طريقة تغذيتها نسبة تعرّضك للقلق!
نعيش اليوم في عصر القلق بامتياز! لطالما ركّزت الأبحاث المرتبطة بإيجاد علاجات فاعلة على الدماغ باعتباره محور جميع العمليات الحاصلة مع العالم الخارجي. لكن بدأت هذه الفكرة تتغير، ويتحول الانتباه اليوم نحو الأمعاء والكائنات الدقيقة المعروفة جماعياً بالبيئة الميكروبية المعوية. تكشف أحدث الدراسات أن تلك البيئة لا تلعب دوراً أساسياً في نشوء القلق فحسب، بل إنها قد تُمهّد أيضاً لابتكار علاج فاعل أو حتى الوقاية من المشكلة في نهاية المطاف.
تقيم مليارات الجراثيم في الجهاز الهضمي داخل بيئة معقدة حيث تنهي مسار الهضم وتؤدي مهاماً أخرى تفيد الأجسام البشرية المضيفة. هي تنمو انطلاقاً من الأغذية التي لا تهضمها المعدة وتطلق منتجات ثانوية مفيدة، منها الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة التي تشتق من الكربوهيدرات غير القابلة للهضم، ومنتجات التريبتوفان الأيضية الهدمية التي تشتق من حمض التريبتوفان الأميني الأساسي. تُعتبر الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة جزيئات مهمة في الجهاز العصبي والدماغ، ويسهم التريبتوفان في إنتاج ناقل السيروتونين العصبي.
يقــول جيرارد كلارك، طبيب نفسي في كلية "كورك" التابعة لجامعة أيرلندا وباحث في مركز "إي بي سي ميكروبيوم" الأيرلندي: "الجراثيم المعوية تشبه المصانع المصغرة. وبالتالي، يرتفع مستوى الإنتاج في الجهاز الهضمي". تنتج البيئة الميكروبية السليمة والمتنوعة كميات ثابتة من الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة ومنتجات التريبتوفان الأيضية الهدمية لتحسين وضع الأمعاء وعملياته.لكن قد يعيق الضغط النفسي هذا المسار كله. وفق مراجعة نشرتها هذه السنة "مجلة أبحاث علم الأعصاب"، يؤدي التعرض للضغط النفسي إلى تنشيط محور الوطاء والغدة النخامية والغدة الكظرية، وتصبح الأمعاء أكثر عرضة للاختراق بسبب سلسلة الهرمونات اللاحقة. ثم يسهل أن تتسرب السموم من الأمعاء إلى مجرى الدم وسرعان ما تنشأ استجابة التهابية. تستطيع المواد الالتهابية أن تصل إلى الدماغ عبر المسارات العصبية التي تربط بين الدماغ والأمعاء.
توضح كاترينا ألفينيا التي شاركت في الإشراف على الدراسة من جامعة "تكساس" التقنية: "قد يقف الالتهاب العصبي المشتق من الضغط النفسي وراء القلق. لم تبرز حتى الآن أي علاقة سببية مثبتة، بل رصدنا بعض الروابط بكل بساطة. لكننا مقتنعون بوجود علاقة وثيقة بين البيئة الميكروبية وجهاز المناعة وزيادة نسبة التعرض للقلق".
لا يعرف الباحثون حتى الآن التركيبة الجرثومية الدقيقة للبيئة الميكروبية المقاوِمة للقلق، لكنهم يدركون أن تنوعها ينعكس على الوضع الصحي. يمكن تحسين التنوع المعوي عبر الحمية الغذائية، لا سيما الخضار الليفية أو الأغذية المخمّرة مثل الألبان والملفوف المخلل، أو عبر استهلاك جراثيم "مفيدة" محددة أو محفزات حيوية. يكشف بحث كلارك أن تدعيم الحمية بأنواع معينة من المحفزات الحيوية قد يكبح إطلاق الكورتيزول، ما يؤدي إلى إضعاف استجابة الضغط النفسي التي تسبب القلق.
في مراجعة جديدة نشرتها مجلة "الطب النفسي العام"، رصدت خمس دراسات من أصل 15 تستعمل المحفزات الحيوية لمعالجة القلق أثراً إيجابياً. قد لا تبدو هذه الأدلة جازمة، لكن لا تتضح دوماً أفضل السلالات الجرثومية لأن البيئة الميكروبية لدى كل شخص فريدة من نوعها.
تقول ألفينيا: "لقد غيّرت البيئة الميكروبية نظرتنا إلى الاضطرابات العصبية. ربما لا يتحكم الدماغ بكل شيء"!
ما هي تركيبة البيئة الميكروبية؟
تبدأ البيئة الميكروبية بالتشكّل منذ لحظة الولادة. توضح ألفينيا: "خلال الولادة الطبيعية، يتعرض المولود الجديد للبيئة الميكروبية المهبلية. أما المولود عبر عملية قيصرية، فلا يمر بالبيئة نفسها". هذا الاختلاف قد يؤثر على التركيبة المعوية طوال الحياة. كذلك، تنعكس عوامل أخرى على البيئة الميكروبية:
طريقة تغذية الأطفال الرضع: الميكروبات في حليب الأم تغذي البيئة الميكروبية لدى الطفل الرضيع. يبدو أن الرضاعة تضمن تعديل الصحة العقلية في مراحل لاحقة من الحياة.
التواصل الاجتماعي: وفق مراجعة من العام 2016، تغطي الجراثيم جميع الناس. ويرتبط التعرض المتزايد للآخرين منذ مرحلة مبكرة من حياتنا بتحسّن صحة بيئتنا الميكروبية.
التعرّض للميكروبات الخارجية: وفق دراسة من العام 2007، قد تحمي ميكروبات التربة من الاضطرابات النفسية. لكن يعني تراجع الاحتكاك بالمساحات الخضراء انحسار المحتوى الميكروبي.
استعمال المضادات الحيوية: تقضي المضادات الحيوية على الجراثيم الضارة. لكن تقع الجراثيم المفيدة ضحيتها أيضاً، ولا تزال آثار هذه العملية مجهولة. لكن تذكر دراسة من العام 2016 أن استعمال هذه المضادات خلال الطفولة قد يُضعِف الاستجابة المناعية في مرحلة متقدمة من الحياة.