في فيلم The Professor (الأستاذ)، الذي حمل سابقاً عنوان Richard Says Goodbye (ريتشارد يقول وداعاً)، يفكر جوني ديب بسؤال صعب: ماذا تفعل إذا كانت نهايتك وشيكة؟ يختار الأستاذ "ريتشارد" في أيامه الأخيرة أن يتجاهل اكتشافه لإصابته بسرطان الرئة في مرحلته الرابعة، فيكتفي بإخبار زميل واحد بحالته. يظن الآخرون أنه يعاني من انهيار حقيقي، فيتخلى عن منهج دروس الإنكليزية التي يعطيها، ويبدأ تدخين الحشيش مع طلابه في حرم الجامعة، ويقيم علاقة مع نادلة لا يعرفها. يمكن اعتباره إذاً "مريض سرطان مشاغب"!
لكن يفوّت الكاتب والمخرج واين روبرتس فرصة تسليط الضوء على أفكار قيّمة في الحياة، فيبدو السيناريو مألوفاً ومبتذلاً ولا يقدم المحتوى الذي يوحي به للوهلة الأولى. تبلغ القصة ذروتها في البداية، منذ ظهور مقدمة الفيلم، حيث يحاول "ريتشارد" استئناف حياته فيما يتذمر من الوضع السائد في حرم جامعة "نيو إنغلاند" الراقية. سنراه يتمتم ثم يصرخ ويعبّر عن استيائه من محيطه. إنها أجواء معبّرة نظراً إلى شخصية ديب الحقيقية وسرعة انفعاله. سرعان ما يغرق "ريتشارد" في مستنقع قذر من دون أن ينظر إلى الماضي، فتسود لامبالاة عامة على طول رحلته الداخلية. مع تطور القصة، يبدأ "ريتشارد" بالتعبير عن نفسه لتقاسم تجربته، لا سيما حين يتقبل فكرة الموت الحتمي. ومع ذلك، يفتقر الفيلم إلى الدهاء الكافي لمعالجة هذا الموضوع.
لطالما بدا ديب "مدمناً حالفه الحظ"، لذا تطرح أحداث الفيلم نهاية مثيرة للاهتمام لهذه الشخصية، إذ يبدو في الفيلم "مدمناً قليل الحظ"! يبتكر روبرتس، بالتعاون مع المصور السينمائي تيم أور، مجموعة من المساحات الغريبة لتوضيح مختلف أدوار "ريتشارد" (غرفة الطعام العليا، الجامعة القديمة، حانة محلية لطيفة). تظهر تلك المساحات بإطار تصوير مركزي، على طريقة المخرج ويس أندرسون، فيتمكن ديب من اختراقها وزعزعتها. لكن يصبح الفيلم مخيباً للآمال في هذه الأماكن تحديداً، إذ تبدو العواطف جامدة والشخصيات فارغة، بما في ذلك روزماري ديويت بدور الزوجة التي يتقرب منها "ريتشارد" بعدما يدركان أنهما ينجذبان إلى أشخاص آخرين لكنهما يبقيان معاً من أجل ابنتهما "تايلور" (كايتلين بيرنارد). الأسوأ من ذلك هو أن روبرتس يفشل في إعطاء طابع مضحك لشخصية "ريتشارد"، فلا تُحقق المشاهد الكوميدية المفاجئة هدفها حين يتفوه "ريتشارد" بأقوال وقحة أو يتصرف بطريقة غير مناسبة.

خلال حصة "مجتمع الشعراء الأموات" مثلاً، يحقق "ريتشارد" حلم شريحة واسعة من الأساتذة على الأرجح، فيطرد عدداً كبيراً من الطلاب، منهم من لا يقرأون الكتب في أوقات فراغهم، أو يريدون الانخراط في قطاع الأعمال، أو يرتدون سروالاً رياضياً. لكن يتحول هذا التطور في الأحداث تدريجاً إلى محاكاة ساخرة لأداء أي أستاذ بديل، وتحديداً في طريقة ازدرائه لطالبَين يرفضان الخروج، أو استعماله عدائيته لتلقين الطلاب المحيطين به درساً. على صعيد آخر، تبدو الشخصيات الجانبية سطحية أيضاً، منها زوي دوتش بدور إحدى طالباته. سرعان ما تصبح صديقة غير متوقعة له كي يتمكن من الاتكال عليها في بعض فصول القصة. لكنها تتحول في النهاية إلى طالبة أخرى تسمع نصائحه السخيفة: "في كل لحظة، نحن نكتب قصص حياتنا"! وفي الوقت الذي يتوصل فيه "ريتشارد" إلى استنتاجه المهم الأخير ("سيطروا على حياتكم بأنفسكم"!)، يكون قد خسر اهتمام المشاهدين بشخصيته. يتمتع ديب بكاريزما كافية في الفيلم، أو يناسبه على الأقل أن يؤدي دور نجم مزيف أشعث ومتمرد، فيبتلع نصف الكلمات دوماً ويكشف تدريجاً عن الحزن الكامن وراء ازدواجيته. لكن حين تتّضح معالم القصة بدرجة إضافية، تتلاشى أي متعة محتملة من مشاهدة "ريتشارد" وهو يرفض الأدوار المفروضة على حياته، وتبدو مواقفه المشينة من النساء (يضايق طالبة نسوية، ويقبّل بالقوة زوجة مستشار الجامعة) مثيرة للشفقة ومزعجة لأقصى حد. وحين ترتسم معالم الاكتئاب والصدمة على وجه "ريتشارد"، ويبدو ديب وكأنه يسارع نحو الموت أو يوشك على الترشح لجائزة "غولدن غلوب"، لا تلاحظ أي شخصية أخرى وضعه وتتخذ القصة منحىً سخيفاً.لا ضير من استعمال بعض الأساليب المبتذلة لنقل رسالة عن الحياة، لكن لا يقدم The Professor أي إضافة أخرى. لا يطرح فيلم روبرتس أي رابط منطقي بين تمرد "ريتشارد" ولامبالاته في بداية القصة وكلامه المؤثر لاحقاً، بل يبدو الموقفان سطحيَين وغير مترابطَين. حتى "ريتشارد" نفسه ما كان ليتأثر بأحداث حياته، بل إنه كان ليتأفف من سخافة قصته!