د. فادي كرم

الواقعية السياسية والمبدئية الوطنية

14 تشرين الثاني 2022

02 : 00

يلتقي المفكّرون والمحلّلون السياسيون على تعريف السياسة بأنّها علم مُعقّد يختزن بممارسته الكثير من النظريات المتضاربة والمعادلات غير الجامدة المرتبطة بالأداء الشخصي وبالقدرات الفردية وبالتفاعل الشعبي، مع الأخذ بالإعتبار الثقافات المختلفة للشعوب والمجتمعات. ويتّفق المراقبون على أنّ هناك جانب نزاع أساسياً يحجز مكانة واسعة له في النقاشات السياسية ويتمثّل بنهجين وهما: المدرسة الإستراتيجية والمدرسة التكتيكية. ففي حين تُركّز الاستراتيجيا على الهدف البعيد وعلى ربح الحرب بكاملها وتتجنّب التلهّي بالمعارك الجانبية، يعمل التكتيك بنشاطٍ دائم لربح المعارك الفرعية ومراكمتها ليُدعّم بها تموضعه في الحرب الدائرة والمُستمرّة، وقد تلتقي الإستراتيجيا والتكتيك في طرفٍ ما أو حزبٍ ما أو قائدٍ واحد يتمتّع بالقدرة على تجنيد التكتيك لصالح الإستراتيجيا، ولكن ما لا يمكن جمعه في ملفٍّ واحد أو قضية واحدة، الواقعية السياسية والمبدئية الفكرية، إلا إذا استطاع المبدئي استخدام الواقعية كذخيرة لتخدم هدفه.

يستهزئ الواقعيون المتباهون بعملانيتهم عادةً بالمبدئية الجامدة ويُحمّلونها المسؤولية بعرقلة المبادرات العملانية، ويستخفّ المبدئيون عادةً بقصر نظر الواقعيين ويعتبرونهم عوائق في مساراتهم العريضة. ويسمح الواقعيون لنفسهم بتجاوز الخطوط الحمر والتحرّر من القيود لكسب المغانم السريعة والآنية، امّا المبدئيون فيعتبرون ذلك تخلّياً عن الأسس واستسلاماً لأنصاف الحلول أو لربعها أو لجميعها أحياناً.

إنّ التناقض بين الممارستين والنهجين كبير جدّاً، وقد كان السبب الأساسي لفرط عقد تحالفاتٍ، كتجربة 14 آذار السياسية، التي جمعت في صفوفها أفرقاء بالقضية وبالشهادة أيضاً، ولكن خصمها الإستراتيجي والعقائدي استطاع بمناوراته الهادفة استغلال الفوارق في ما بينها، فمارس عليها الضغوطات المتفرّقة والخطط الخبيثة التي أدّت لتجزئتها معتمداً على النيات الحسنة لبعض الواقعيين من هذه الجبهة السيادية التي واجهته لفترة ليست بقليلة. ويعمل حالياً بالتكتيك ذاته من خلال ترك الجميع من كافة المحاور تحت ضغط الفراغات وصولاً لفرض شروطه عليهم.

إنّ مواجهة الأزمة الحالية بالواقعية السياسية ستؤدّي الى تفريط النواب الجدد، المُفترض أن يكونوا إنقاذيين، بالثقة الشعبية، وتحت شعارات الواقعية والعملانية سيذهبون الى حلولٍ لا واقعية إنقاذية فيها ولا مبدئية وطنية تُشبهها. إنّ الواقعية السياسية التي وضعت أمام أعينها حتمية الوصول الى تفاهم مع «حزب الله» قد خسِرت مُسبقاً وضعيتها الجيدة وتأثيرها الفعلي على المجريات القادمة، وقد سلّمت باكراً المقْوَد لحزبٍ لا يُعير أي أهمّية للواقعية، ويكره بشدّةٍ مبدئية أخصامه. ويبقى الأمل بالفريق الذي يواجه بمبدئيته مشاريع «حزب الله» التخضيعية لكافة الأطراف اللبنانية، ويُحاول منع إستدراج الواقعيين الراغبين بالحلول الى ساحة وملعب «حزب الله» الذي يتّبع اسلوب إسقاط الطروحات الواحدة تلو الأخرى وصولاً الى التوافق الذي يُناسب سلاحه ويسمح لإستمرارية مشروعه ويُبقي على الحصانة الرسمية لمُخطّطاته.

المبدئية التي يتميّز بها الفريق الأساسي المواجه لـ»حزب الله»، وهو «القوات اللبنانية» وبعض الأفرقاء الآخرين الأصغر حجماً وتأثيراً تُزعج هذا الحزب وتقضّ مضاجعه فيهاجمها بقسوة ويتّهمها بافتعال المواجهات ويُخوّنها ويُحاول تفريغ محتوى أفكارها، لأنّه يُدرك خطورة استمرارها بمبدئيتها عليه، خاصةً عندما سينضمّ إليها الواقعيون الذين سيكتشفون زورَ مبادراته وفراغ كلامه، ممّا سيُنتج تعاضداً بين الواقعيين والمبدئيين لفرض واقع جديد بجلب هذا الحزب الى التفاهمات الوطنية على حساب مشروعه الإلغائي للبنان.

يخاف التسوويون المختبئون خلف الواقعية السياسية من المبدئية، ويخشون من تأثيرها التدميري على أحلامهم التسووية، ولذا يُشكّكون بنيات الأفرقاء المبدئيين ويتّهمونهم بالعمل لعقد صفقاتٍ عالية السقف وثمينة المكاسب مع «حزب الله». ويطرحون الواقعية السياسية لأنّها تُريحهم وتُخفّف الضغوطات عنهم وتُسهّل عليهم الدخول الى التسويات التي تحفظ دورهم ومستقبلهم السياسي، ولكن يسهو عن بالهم أنّ الواقعية السياسية لها دورٌ إيجابي واحد وجدت لأجله، وهو فتح المجالات والسبل لتفاهماتٍ وطنية واسعة مبنية على الحفاظ على السيادة الوطنية والمصلحة العليا للدولة والقدرة العالية للمؤسسات الرسمية للتنفيذ. دور الواقعية السياسية ليس سلبياً، في الدول المستقرّة حيث أنّ حسّ المسؤولية لدى القادة عال جداً والشعور الإنساني غالب والتجرّد الأخلاقي صاف جداً، فالواقعية السياسية تُصلح لدول تتحكّم بمؤسساتها وقوانينها ودساتيرها، ولكن لا فعالية للواقعية في دولةٍ دستورها لا يُطبّق، ومؤسساتها مشلولة بفعل وجود الدويلة، وحدودها مشرّعة لكافة النشاطات الإرهابية وللتهريب المحمي من عصابات الأمر الواقع، وقوانينها إستنسابية، فهل للواقعية إمكانية لإخراج لبنان من الواقع الشاذ لأخذه الى الدولة العميقة؟

الواقعية هي العامل المُتحرّك والمبدئية هي الضمانة، فحين تسود هذه المعادلة فذلك يعني أنّ الواقعية أصبحت مُكمِّلة للمبدئية، وأنّ مساراتها العملية يتمّ تجييرها لصالح الطرق الصعبة للمبدئية، لتصبّ بالنهاية لصالح الوطن والشعب والقضية. يحقّ للبعض، المنادين بالواقعية السياسية، ممارسة واقعيتهم، ولكن عليهم إدراك أنّ الواقعية قد تنجح وقد تفشل، أمّا المبدئية فهي التي تُكسّب الوطن وإن سقط حاملها شهيد مبدئيته.

(*) عضو تكتّل «الجمهورية القوية»


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.